خبر : الانتفاضة الثالثة أقرب من ظلهم إليهم ...محمد ياغي

الجمعة 01 مارس 2013 01:49 م / بتوقيت القدس +2GMT
الانتفاضة الثالثة أقرب من ظلهم إليهم ...محمد ياغي



على عكس الانتفاضة الثانية التي ظهرت معالمها جلية بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في تموز العام 2000، تفجرت الانتفاضة الأولى في كانون الأول العام 1987 عندما كان كل شيء يوحي بأن "القضية الفلسطينية" قد أصابها الموت. قيادة المنظمة في تونس كانت تطلق المبادرات السياسية تلو الأخرى حتى لا تختفي من المشهد السياسي.. قيادة "حماس" كانت مشغولة في حرب شعواء ضد الشيوعية العالمية.. ومئات الآلاف من العمال الفلسطينيين يبنون تل أبيب والعشرات من المستوطنات في الضفة. لم يتوقع أحد حينها أن يؤدي حادث "سير" ترك أربعة من الشهداء إلى انتفاضة عارمة تستمر عدة سنوات، وتعيد لقيادة المنظمة مجدها، وتعيد في نفس الوقت، تشكيل الوعي السياسي والأولويات لدى قادة "حماس". لم يفكر الفلسطينيون "بمصدر رزقهم"، إسرائيل، عندما بدأوا انتفاضتهم، لأن كرامتهم التي كانت تهدر يومياً وأراضيهم التي كانت تصادر أمام أعينهم لم تترك لهم خياراً آخر غير إعلان المواجهة.. الجسد العاري في مواجهة دولة مدججة بالسلاح. اليوم يخرج علينا "العرب" و"الإسرائيليون" على حد سواء للتبشير بأن الانتفاضة الثالثة غير ممكنة أو ليست قريبة .. لماذا؟ لأن قيادة "فتح"، على حد تعبيرهم، غير معنية بها.. أو لأن قادة "حماس" معنيون بالتهدئة حتى لا يحرجوا "إخوانهم" في القاهرة وفي سورية وفي ليبيا وفي تونس وفي كل مكان وصلوا فيه للحكم أو في طريقهم إليه.. أو لأن قادة الاحتلال قد قاموا بتحويل جزء من الأموال الفلسطينية للسلطة حتى تقوم بدفع جزء من الرواتب المتأخرة.. أو لأن الأمن الفلسطيني لن يسمح بذلك. لكن مهلاً أيها السادة.. لا قيادة "فتح" ولا قيادة "حماس" هما الشعب الفلسطيني.. وأفراد "فتح" وأفراد "حماس" جزء من الشعب الفلسطيني، وما يحدث على الأرض يومياً من إهانة وتضييق على الفلسطينيين ومصادرة لأراضيهم وقتل لأبنائهم، وحرمانهم من الحق الطبيعي لهم بالتمتع في هوية خاصة بهم ومعابر مفتوحة على العالم كبقية شعوب الأرض، يؤثر فيهم بنفس القدر الذي يؤثر في بقية أبناء الشعب الفلسطيني. والأهم من ذلك، هو أن الشعوب عادة، لا تنتظر مباركة من قيادات بعينها عندما تقرر ما هو في صالحها. الحقيقة أن الثورات في العالم العربي يجب أن تدرس في الجامعات وللسياسيين على حد سواء. تونس أسقطت بن علي عندما كان هنالك آلاف المقالات والكتب في الغرب التي "تُنَظرْ" لأبدية النظام العربي المستبد. تارة تحت مقولة إن الأنظمة المستبدة قادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية.. وتارة تحت مسمى قدرتها على قمع شعوبها.. وأخرى تحت اسم قدرتها على احتواء المعارضة.. أو لأنها لا تجبي ضرائب من شعوبها.. بل إن البعض ذهب لحد القول إن "المسلمين" لديهم ثقافة لا يمكن إلا أن تنتج أنظمة مستبدة، ثم عادوا وقالوا، المشكلة ليست في المسلمين بعد نجاح التغيير في تركيا وأندونيسيا، بل في العرب. العشرات من مراكز الأبحاث العالمية لم تتنبأ بما حدث، وجميعها كان يؤكد بأن التغيير ليس فقط غير وارد، بل حتى "مستحيل." من تابع ما كانت تصدره هذه المراكز وما كان يصدر عن الأكاديميين "المتخصصين" في العالم العربي، يعرف بأن "الربيع العربي" وتحديداً ثورتي تونس ومصر أحدثتا زلزالاً فكرياً لدى هذه المراكز ولدى هؤلاء الأكاديميين. ومثلما فاجأت تونس الجميع، ومثلما لحقتها مصر بمفاجأة من عيار أثقل، يمكن للشعب الفلسطيني أن يفاجئ الجميع بانتفاضة ثالثة.. الأسباب التي تدعوا للانتفاضة أكثر بكثير من تلك التي فجرتها في المرة الأولى والثانية.. وللواهمين بأن قيادة "فتح" وقيادة "حماس" غير معنية الآن بانتفاضة ثالثة، فإن الجواب يأتي من تونس ومصر.. الشعوب تفرز قيادات ميدانية جديدة وهذه القيادات تأخذ تعليماتها من شعوبها وليس من جهات "تنظيمية" أعلى منها.. بمعنى تصبح هي القيادات الجديدة للشعب، وتتحول القيادات القديمة إلى شيء ينتمي إلى الماضي. الانتفاضة الأولى لم يقرر أحد موعدها.. كل ما هنالك، أن الفصائل الفلسطينية قامت بتأطيرها للاستمرار، وهذا كان ممكناً لأن الناس كانت تريد لها الاستمرار.. بمعنى دخول القوى السياسية على خطها، ساعد على تأطيرها واستمرارها، ولكنه لم يكن السبب، لا في اندلاعها، ولا في استمرارها.. وبالمقارنة مع تونس ومصر، لو اختفت هذه الفصائل، لخرج هنالك من "رحم" الانتفاضة الشعبية من يؤطرها للاستمرار. في مصر، سألت الإخوان، وهم الأكثر تنظيماً، ماذا لو قررتم أثناء حواركم مع عمر سليمان إنهاء الانتفاضة.. هل كانت الناس ستستمع إليكم.. إجابتهم كانت صادقة الى حد بعيد.. "الثورة كان لها روح خاصة بها، لا نحن ولا غيرنا، كان قادراً على تغيير هذه الروح.. كانت روحاً جماعية تشكلت حول مطلب واحد وهو رحيل النظام، ومن يحيد عن هذه الروح لا يؤثر فيها أو في زخمها، ولكنه يخسر". ببساطة، الانتفاضات الشعبية أكبر من التنظيمات وأكبر من القيادات، وأكبر من دولة الاحتلال .. وعندما يحين موعدها، في ظل الأسباب الداعية لها في فلسطين تحديداً، وهي عديدة جداً، فستنفجر وهي حتماً ستنفجر. ليس مهما لحظتها إن كان السبب هو حادث سير.. أو استشهاد أسير آخر في المعتقلات.. أو فشل جولة مفاوضات أو غياب المفاوضات.. أو فقدان السلطة لقدراتها التمويلية.. أو مستوطنة جديدة تم إضافتها.. أو حتى زيارة أخرى للميت شارون إلى الأقصى.. الناس ستنتفض لأن الوضع القائم منذ العام 1967 ليس في مصلحتها. المسألة فقط في أن موعد الانفجار في أغلب الأحيان عصي على القراءة.. لكنه في اللحظة الراهنة قريب، وبأكثر مما يتخيلون.