خبر : تخمة فقهية وظمأ روحي ..أحمد أميري

الخميس 28 فبراير 2013 12:56 م / بتوقيت القدس +2GMT
تخمة فقهية وظمأ روحي ..أحمد أميري



 تسيّد الدعاة التقليديون المشهد الإسلامي لعقود طويلة، ولا صوت سُمع في أنحاء العالم الإسلامي، والعربي تحديداً، إلا لأصحاب التفكير الأصولي، فماذا كانت النتيجة سوى نشر التدين الظاهري بين الناس، وإصابة الكثيرين بالتخمة الفقهية في مقابل ظمأ أرواحهم، وغرق المجتمعات بسيل من الفتاوى المتناقضة، واستفحال الطائفية ورفض قبول الآخر والتعالي عليه، وظهور أجيال من المنغلقين فكرياً والمتعصبين والمتجمدين في ثلاجات القرون الوسطى، ناهيكم عن التكفيريين، والفئة المتطورة عنهم، أعني الإرهابيين. وللأسف، تمكنت الأصولية الدينية من تهميش الصوفية، والتشويش على مبادئها وتشويه صورتها وخلق صورة نمطية سيئة عنها، حتى صارت معرفة الكثير من المسلمين بالتصوف لا تزيد عن معرفتهم بالأديان الأخرى.  وانطلاقاً من قلة المعرفة تلك، يحمّل بعض الناس التصوف جريرة ممارسات غريبة يأتي بها أشخاص يزعمون أنهم متصوفة، لكن كما أن الإسلام نفسه تعرض ولا يزال يتعرض للفهم الخاطئ من بعض أتباعه الذين يمارسون باسمه أفعالاً لا تمت له بصلة، فالأمر نفسه حدث ويحدث مع التصوف.  وهناك من يقول إن التصوف كان في أول أمره فكرة إسلامية صافية، والمتصوفة القدماء كانوا أتقياء وأنقياء بشهادة كبار الفقهاء الذين عاصروهم، لكن الغريب أن هؤلاء الذين لا يتخيّلون وجود صوفية بنقاوة القدماء يصدّقون وجود سلفية على منهج السلف! وبعضهم ينكر وجود صوفية على خطى المتصوفة القدماء، ويعتبر التصوف الحالي مجرد رقص وطبل وفلكلور شعبي، وهي نظرة ليست بعيدة عن الحقيقة لكنها ليست كل الحقيقة، فمن نراهم يمارسون تلك الأفعال يرغبون أساساً في أن نراهم، ومن لا نراهم من الصوفية الصادقين لا يرغبون في أن نراهم، بل أن يراهم الله. ومن مظاهر الجهل بحقيقة التصوف اعتباره مذهباً من المذاهب الفقهية بينما هو طريقة يسير فيها المرء بقلبه لا مذهباً يقتنع به بعقله، وماذا جنينا من أدلة صحة المذاهب إلا الفتن والاقتتال، إذ كلما ازداد المذهبي اقتناعاً بمذهبه ازداد جدالاً واضطرم قلبه بالعداوة والبغضاء، وبدلاً من أن ينتصر على نفسه الأمّارة، ويغنم في حربه ضد هوى نفسه بتقوى أو خشية أو خلق فاضل أو سلوك نبيل، فإنه ينتصر على خصمه بالأدلة والبراهين، ليخرج من المعركة نافخاً صدره ومعجباً بنفسه وبرجاحة عقله، مثلما يخرج خصمه تماماً. يبقى المذهب مجرد قشر لا أهمية له سوى أنه يحفظ اللب، والتحدي هو في رد الجوهرة التي أودعها الله فينا وهي تلمع من غير خدش واحد. ومن خطأ الاعتقاد بأن التصوف مذهب فقهي مثل المذاهب المعروفة، يتصور بعضهم أن المرء لابد أن يتخلى عن مذهبه إن سلك في طريق التصوف، بينما الواقع هو أن المذهب يبقى للتعبّد في ظاهر الأمر، أو القالب الذي من خلاله يؤدي المرء عباداته، و«الطريقة بيت والشريعة بابه»، لكن قلبه يتوجّه إلى المقصود بالعبادة، فيظل الصوفي على مذهبه لكنه لا يعبده، بل يعبد من هو أقرب إليه من المذاهب والأديان: الله. ولعلّ ربط التصوف بالطرق والمشايخ من أسباب إحجام الكثيرين عن مجرد الاستماع لهذا الخطاب الإسلامي المختلف كلياً عن خطاب الأصوليين، لكن التصوف قبل كل شيء مبدأ وفكرة، ورُبّ امرئ ذو نية سليمة، وقلب نقي، مشغول بإصلاح نفسه، لا يؤذي أحداً ولا يخوض فيما لا يعنيه، هو صوفي وهو لا يدري.