لم يعد المواطن الفلسطيني يعرف بالضبط كيف تدار السياسة الفلسطينية سواء على المستوى السلطوي أو على المستوى الفصائلي، ولا يعرف ماهية الآليات وأشكال النضال التي يمكن من خلالها تحقيق بناء الدولة المستقلة على الأرض، بعد أن نجحت السياسة الفلسطينية في الحصول على اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بمكانة فلسطين كدولة غير عضو.الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أعلن مؤخراً أن من حق فلسطين أن تحضر وتشارك في كافة المؤتمرات والمؤسسات الدولية، وهي إشارة حقوقية وسياسية تبعث على القلق في الدوائر السياسية الإسرائيلية، التي لا تزال تعمل بكل الوسائل، ومع أطراف دولية عديدة من أجل منع الفلسطينيين من دفع ملفاتهم الصعبة إلى المؤسسات الدولية المختصة في ملاحقة جرائم الحرب، والانتهاكات الفظة للقرارات والمواثيق الدولية.رئيس الأركان الإسرائيلي بيني غينس يخشى من اندلاع انتفاضة فلسطينية. لكن نتنياهو يترجم هذه الخشية إلى عمل، فيأمر بتحويل أموال المقاصة التي تحتجزها إسرائيل، شرط أن يستتب الهدوء.نتنياهو يريد استقرار وتهدئة الأوضاع في الضفة الغربية، ولا يرغب في أن يرى الفوضى وهي تعم المدن والقرى الفلسطينية، خصوصاً وأن هذا الهدوء، يوفر له البيئة المثالية لمواصلة سياساته الاستيطانية، وسياساته التهويدية ويوفر له البيئة المثالية لمواصلة اعتداءاته على الفلسطينيين وانتهاكه لكراماتهم. الفوضى هنا تكتسب معنى واحداً حين يرفضها أعلى مستوى سياسي فلسطيني، ويتهم إسرائيل بالسعي وراءها، فما يجري في الضفة على خلفية استشهاد المناضل الأسير عرفات جرادات، لا يمكن أن يوصف بالفوضى، وإنما يشكل مقدمات لتطوير المقاومة الشعبية، وصولاً إلى الانتفاضة الشعبية، من الواضح أن السياسة الرسمية الفلسطينية لا تزال تراهن فقط على المفاوضات وإعادة إحياء العملية السياسية، وترى بأن الواجب الوطني يقتضي أن يأتي الرئيس الأميركي بعد نحو ثلاثة أسابيع، فيما الأراضي المحتلة يسودها الهدوء، ولكي يقدم شهادة ليست ذات فائدة، بأن السلطة قادرة على ضبط الأوضاع، وأنها سلطة مسؤولة، وملتزمة بعمل حثيث من أجل السلام.ومن الواضح، أيضاً، أن السياسة الرسمية، وتخضع عموماً لحساباتها السياسات الفصائلية تراهن على أن الهدوء، قد يولد ضغوطاً دولية من قبل حلفاء إسرائيل على حكومة نتنياهو من أجل استئناف المفاوضات، الأمر الذي قد تنجح السلطة من خلاله في الحصول على مكرمة أو موافقة إسرائيلية على الإفراج عن عشرات الأسرى، خصوصاً الأسرى القدامى، وربما الأسرى المضربين عن الطعام.وإذا كانت قيادة السلطة قد تعهدت بمنع اندلاع انتفاضة شعبية ثالثة، فإن عليها أن تشرح للناس ما معنى التأكيد المتواصل على أولوية وأهمية المقاومة الشعبية، وماذا يتبقى من هذه المقاومة، إلاّ إذا كانت مصطلحاً لغوياً استخدامياً، يقدم للتعبير عن رفض خيار المقاومة المسلحة الذي تطرحه حماس وأخواتها.في هذا الإطار ينبغي أن نحذر من أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع أموال الضرائب الفلسطينية من باب الحق، ومن باب الالتزام بما تم توقيعه من اتفاقيات، وأنها ستستخدم هذا الحق الفلسطيني دائماً، كوسيلة للضغط على الفلسطينيين فإن وصل هذا الضغط إلى مستوى الانفجار قامت بالإفراج عن ذلك الحق، أما إن كان هذا الضغط محتملاً فإنها ستواصل استخدامه لتقييد السياسة الفلسطينية.يترتب على الفلسطينيين أن ينتبهوا إلى أنهم أحياناً يساهمون بأنفسهم في مصادرة بعض الحقوق التي ترتبها لهم مواثيق الأمم المتحدة، وطبائع العمل السياسي، فلقد أصبح الحق الذي تجيزه مواثيق الأمم المتحدة للشعوب المحتلة أراضيها، باستخدام كافة أشكال المقاومة بما في ذلك المسلحة، نقول أصبح هذا الحق عبئاً، وشكلاً من اشكال الإرهاب، كما تتعامل معه وتصفه الدول الحليفة لإسرائيل.قبل فترة بسيطة لا تتعدى الأشهر كان الفلسطينيون يشتكون من أن القضية الفلسطينية لا تحظى بأولوية الاهتمام لا من قبل الذين تنافسوا على الرئاسة الأميركية في الانتخابات الأخيرة، ولا من قبل الأحزاب الإسرائيلية، وكان الكثيرون يتعمدون الابتعاد عن البوح بالحقيقة المرّة، ويكيلون التهم لإسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، اللتين لا تبديان اهتماماً لائقاً بالملف الفلسطيني.في الحقيقة فإن السبب في ذلك يعود إلى الفلسطينيين بالدرجة الأولى، الذين يعرفون حق المعرفة أن إسرائيل ليست دولة سلام ولا يمكن أن تكون، وأن الولايات المتحدة وغيرها من الدول التي تبحث عن مصالحها في المنطقة، لا ترى ضرورة للتحرك، طالما أن مصالحها مستقرة وغير معرضة للخطر، وطالما أن السياسة الإسرائيلية ماضية قدماً دون اعتراضات قوية. في التكتيك السياسي، فإنني شخصياً لا اعرف إلى أية تجربة في تاريخ نضال الشعوب من أجل استقلالها وتحررها، يمكن أن تكون السياسة الفلسطينية قد تعلمت منها، واستندت إليها، أم أن ثمة من هو جاهز للتبرير على خلفية أن القضية الفلسطينية، قضية فريدة من نوعها، ولا تنطبق عليها أية مقارنة مع قضايا وتجارب أخرى.لماذا علينا أن نستقبل الرئيس باراك أوباما، بالهدوء والاستقرار، وربما بتزيين الشوارع التي سيمر منها موكبه، فإذا كان الوضع الفلسطيني على هذا القدر من الهدوء والاستقرار حتى لو أن هناك بعض المشاكل التي لا ترقى إلى مستوى الأزمات، فإن الرئيس الأميركي لا يجد نفسه مضطراً لأن يقوم بما ينبغي القيام به حفاظاً على مصالح بلاده ومصالح إسرائيل، فربما أن الأمر يقتضي المساعدة فقط في حل أو تخفيف هذه المشاكل طالما هي مشاكل؟على العكس من ذلك، ينبغي أن يأتي الرئيس الأميركي، ليرى ويلمس ويسمع ليس بالشرح والكلام السياسي النظري، وإنما بالملموس، أن على هذه الأرض صراع، وأزمة كبرى تهدد الاستقرار في المنطقة وتثير القلق لدى أصحاب المصالح فيها، ينبغي أن يعرف الرئيس الأميركي أن القضية ليست قضية قيادة، وعمل دبلوماسي، ومواكب، وحذلقة في الكلام وإنما هي قضية شعب لم يعد يحتمل بقاء الاحتلال، وان أحداً لا يستطيع السيطرة على الإرادة الشعبية الفلسطينية الباحثة عن الحق، والباحثة عن الحرية والاستقلال. إن حرص الفلسطينيين على مصالح الآخرين في المنطقة والعالم ينبغي أن لا يكون أعلى وأهم من حرصهم على مصالحهم وحقوقهم وأهدافهم الوطنية.ينبغي أن يعرف الرئيس أوباما أنه لم يتبق لدى الفلسطينيين ورود يقدمونها له، وأن الاحتلال قد دمر كل وردة وكل زهرة وكل شجرة في الأرض الفلسطينية، وأنه حتى يستقبله الفلسطينيون بالورود مرة أخرى فإن عليه إن يعمل على أن تكون الأرض الفلسطينية مهيأة لزراعة الورود التي تليق بالزوار والضيوف الكبار والصغار. أما وان إسرائيل تدمر كل وردة وكل نبتة فليس لدى الفلسطينيين سوى الأشواك، وأنواع الصبّار يقدمونها لضيوفهم.