قرر أطباء القلب في غزة أنّ عَمّي بحاجة إلى جراحة "قلب مفتوح" لاستبدال صمام مسدود بنسبة 70%، وأكدوا له أنهم قادرون على إجرائها في غزة، بالرغم من حداثة عهد مستشفياتها الحكومية والخاصة بهذا النوع من العمليات الجراحية، لكنه آثر التوجه إلى مستشفى خاص في الضفة الغربية بتحويلة صادرة من وزارة الصحة، بعد سماعه من ناصحيه مدائحَ تشيد ببراعة جراحي القلب هناك وتثني على مستوى الرعاية الطبية في المستشفى ذاته. لن أسترسل في وصف ما عانته زوجته المرافقة له يوم وصولهما إلى المستشفى، وهي تبحث عن فراش ترقد عليه بجوار سرير زوجها، لولا مسارعة أصدقاء في الجوار إلى توفيره، وعرضهم استضافتها في منازلهم، فبيت القصيد هنا المريضُ ذو الثلاثة والسبعين من العمر، الذي اجتاز العملية الجراحية "على خير"، كما يقول الجراح الذي فتح قلبه، وأكد أنه يستطيع العودة إلى غزة بعد أيام من العملية، وداعبه بالقول إن في إمكانه الزواج بأخرى الآن. عاد عمي إلى غزة بسيارة أجرة، وهو يئن من آلامه التي أطالتها محطات قسرية على أكثر من حاجز إسرائيلي وانتهاء بالممر الطويل في معبر "إيرز"، وبدا لكل من سارعوا إلى عيادته أنه ليس على ما يرام، بالرغم من عبارات المجاملة المفعمة بالأمل والمزاعم عن وجهه المتورد وصفاء بشرته، التي قابلها بالإعراب عن شعوره بعدم الارتياح، فثمة ضيق في الصدر وصعوبة في التنفس، عدا عن فقدانه أي شهية للأكل أو الشرب، لافتا بتردد إلى أنه لا يحس بأن ثمة تحسنا في حالته، وكأنه لم يجر عملية. تدهورَ وضعُ العم المسكين، واستدعى الأمر نقله إلى المستشفى بالإسعاف إثر انخفاض حاد في السكر، ثم عاد إلى داره بعد تأكيد الأطباء بأن كل شيء على ما يرام. تكرر الأمر في اليوم التالي بين انخفاض وصعود للسكر، دون أن يصر أحد من الأطباء على إدخاله المستشفى لضبط وضعه الصحي العام، إلى أن طرأ عارض جديد أجبر ذويه على نقله إلى المستشفى في ساعة مبكرة من الفجر، حين رأوا الدم يخرج من فمه مصحوبا بصوت كالخرير في الصدر. بدا الطبيب المناوب في قسم الاستقبال حائرا وهو يحاول تشخيص مشكلة المسن المنهك، ثم قرر أن يُدخله قسم الأمراض الصدرية، مبررا ذلك بأن ثمة ماء متجمعا على الرئتين، لكن القسم مزدحم وما من سرير إضافي للمريض، فقرر المناوب نقله إلى قسم الأمراض الباطنية، وعندما احتج ابن المريض منبها إلى أن أباه مريضُ قلبٍ بالدرجة الأولى قال الطبيب بتلقائية إن القسم قريب من قسم القلب، ولا داعي للقلق. أكدت نتيجة التحليل المخبري أن نسبة الهيموجلوبين في الدم أقل من 7، وعند تنبيه الطبيب إلى أن النسبة كانت قبل يومين فقط 11 قال إن مريضكم لا يأكل كما تقولون، وسنعطيه وحدة من الدم عند الصباح، فسارع ابنه إلى التبرع بالدم وعاد لمتابعة وضع والده بانتظار الفرج من عند الله! لم تكن قد مضت على عمي ساعتان حين هبط الضغط فجأة، فتم نقله على عجل إلى قسم القلب، وبعد دقائق خرج أحد أطباء القسم ليبلغ ابنه بأن أباه "تعبان على الآخر"، منبها إلى أنه وصل القسم على هذا الحال، وأنه لن يتحمّل مسؤولية ما سيحدث بعد قليل! مات عمّي، ولإكرامه عجّلنا بإنجاز إجراءات الجنازة والدفن، وعند تغسيله في منزل العائلة فوجئ القائمون على الأمر بالدم يتدفق من فمه وأنفه بلون أحمر قان، فهتفوا "إنه نزيف"! عقّب ابنه وهو يجهش بالبكاء "لماذا لم يدر في خلد الطبيب المناوب هذا الاحتمال"، ثم أردف مكفكفا دموعه "لعله ليس طبيباً"! يقول معظم الأطباء الذين أموا بيت العزاء إن سفر ذي القلب المفتوح بعد أقل من أسبوع من العملية مخاطرة لم يكن يجدر بالجراح المسؤول السماح بها، وإن ثمة خطأ ما، يؤكده النزيف الواضح من خلال تدهور نسبة الهيموجلوبين، وأنه كان يجب إدخال المريض إلى قسم القلب على الفور، مع استدعاء طاقم جراحي لمواجهة احتمال إجراء جراحة عاجلة لإيقاف النزيف، ويجمعون بالرغم من كل ذلك على أنها في النهاية إرادة الله.. رحم الله عمي وسائر مرضى غزة الشهداء. tawfiqwasfi@yahoo.com