منذ استلامه كتاب التكليف بتشكيل الحكومة الثالثة والثلاثين في إسرائيل في الثاني من شباط الحالي تتضاءل الفرص أمام نتنياهو في النجاح، فكل يوم جديد يضيف من التعقيدات في وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف، ما يجعل من تشكيلها أمراً بحاجة إلى معجزة وفقاً للتوازنات والتحالفات الجديدة والتعارضات الأكبر في الواقع الذي خلقته نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة . يقال أن "الإسرائيليين بارعون في المفاوضات" مشكوك في ذلك طبعا ويمكن عكس المقولة لتصبح أكثر دقة بالقول أن العرب وأداءهم التفاوضي البائس هم من أعطى هذا التفوق للإسرائيليين، لكن المهارة الإسرائيلية في التفاوض هذه المرة تتم بين إسرائيلي وإسرائيلي، لعبة شد الأعصاب ومحاولات نتنياهو بالتذاكي ودفع خصومه نحو الحائط لم تجد نفعا، فالاتفاق الأخير الذي عقده مع تسيبي ليفني والتي حصلت خلاله على وزيرة العدل وملف المفاوضات مع الفلسطينيين وهي خطوة أراد من خلالها الضغط على الأحزاب لتسارع كعادتها للحاق بالحكومة وحجز مقاعد قبل إغلاق الباب ارتدت عليه سلبا. فنفتالي بينيت رئيس حزب البيت اليهودي على هذه الخطوة التي أراد نتنياهو إخافته بها رد ببرود أعصاب وبتهكم قائلا "إن نتنياهو يعرف ما يعرفه تلميذ في الثاني الابتدائي في الحساب" ويقصد أن إضافة حزب الحركة برئاسة ليفني وحتى موفاز لتحالف نتنياهو ليبرمان والمتدينين يصبح لنتنياهو 57 عضو كنيست وهؤلاء لن يمكنوه من تشكيل حكومة. يدرك نتنياهو أن التحالف القوي بين بينيت ولبيد هو الستار الحديدي في وجه حكومته وقد مارس ما يكفي من المناورات الكبرى أمام هذا التحالف الذي تزداد متانته مع الوقت، فقد التقى رئيسة حزب العمل شيلي يحموفيتش لإيهام التحالف بأنه سيقيم حكومة بدون الثنائي لكن يحموفتش التي رفضت بسرعة العرض أجهضت تلك المناورة. حاول نتنياهو أن يقدم ما يكفي من الإغراءات لنفتالي بينيت في محاولة لشق التحالف مع النجم الصاعد في سماء السياسة الإسرائيلية يائير لابيد والذي يهدد مستقبل رئيس الوزراء كمنافس جدي كما تقول الاستطلاعات لكن بينيت لم يسقط بها، ثم راهن نتنياهو على تمرد داخل البيت اليهودي من قبل أعضاء قائمته الجدد لكن مؤتمر الحزب الذي انعقد الأربعاء الماضي في القدس حسم الأمر نهائيا أمام نتنياهو، فقد اتخذ قرارات حازمة تشكل صفعة كبيرة للمكلف بتشكيل الحكومة حيث أعطى المؤتمر صلاحيات كبيرة لرئيس الحزب ( بينيت ) حيث توج زعيما وقائدا بلا منازع وأعطاه الحق بتعيين الوزراء وتم انتخاب أمين سر موال لبينيت ومن أتباعه، فبينيت الذي باع شركة التكنولوجيا التي أسسها بمبلغ مائة وخمسين مليون دولار يستطيع بهذه الأموال أن يتحكم في حزبه بشكل كبير وأن يدفع للأعضاء ما يغنيهم عن مقعد في الحكومة ويفرض سطوة كبيرة على أعضائه. خطوة نتنياهو بضم تسيبي ليفني للحكومة وإعطائها صلاحيات بملف المفاوضات مع الفلسطينيين وهو ما يعارضه رئيس حزب البيت اليهودي تبدو كمن يطلق النار على قدميه، فنفتالي بينيت شديد التطرف ويرفض حل الدولتين ولا يقبل حتى بالمفاوضات مع الفلسطينيين، وبذلك ساهم نتنياهو دون أن يدري أو لعله يعرف أن هذه الخطوة وأدت أي تمرد في البيت اليهودي الذي تضم قائمته مجموعه من المستوطنين المتطرفين، فلن ينضم البيت اليهودي إلى حكومة تقبل مجرد مفاوضات مع الفلسطيني. فهل يمكن القول أن عدم انضمام بينيت وحزبه للحكومة أصبح أمرا محسوما. وإذا الأمر كذلك ماذا عن يائير لابيد وحزبه، فهناك تحالف متين بينه وبين بينيت بألا ينضم أحدهما للحكومة دون الآخر وهو حلف وصفته الصحافية الإسرائيلية سيما كدمون قائلة "التحالف بين لابيد وبينيت ليس من الاسمنت بل من الفولاذ الذي لا يصدأ ". أربعة أيام تبقت على مهلة تشكيل الحكومة وهي مهلة الثمانية والعشرين يوما وعلى ما يبدو لن يتمكن نتنياهو من تقديم حكومته خلالها إلا بمعجزة من الواضح أنها صعبة، وسيذهب رئيس الوزراء المكلف لطلب التمديد لأربعة عشر يوما إضافية وهي مهلة حددها القانون الإسرائيلي وبعدها يكلف الرئيس شخصا آخر أو الذهاب لانتخابات. بما هو حاصل حاليا تبدو ولادة حكومة في إسرائيل صعبة للغاية، فلن يستطيع نتنياهو تجاوز الستين مقعدا فقط لديه 57 وهو الذي كان يحلم بحكومة موسعة يصطدم بتحالف قوي جدا يديره الصحافي السابق الذي يعرف خبايا مناورات الساسة الإسرائيليين بحكم مهنته التي وضعته في مواجهات معهم وهو يدير معركة عض الأصابع بهدوء شديد مدركا نقاط ضعف نتنياهو، فالعرب خارج معادلة نتنياهو وليسوا جزءا من لعبة التشكيل، وحزب العمل حسم أمره حتى الآن ومع تحالفه يصبح هؤلاء 63 مقعدا وهو يلاعب نتنياهو على المكشوف مستندا لدفاعات قوية مريحة. الحلف الثنائي يرفض حتى اللحظة التنازل أو حتى حلول وسط في مسألة مساواة التجنيد وهذا يتعارض مع حزبي المتدينين شاس ويهدوت هتوراة ويرفض التحالف المفاوضات ( على الأقل بينيت ) وهذا يتعارض مع حزب الحركة التي أصبحت جزءا من الائتلاف، والأهم أن الاستطلاعات الجديدة تعطي هذا التحالف شعورا بالقوة لأن نتنياهو راهن على رفض الشارع الإسرائيلي لما يسميه "صبينة السياسيين الجدد بينيت- لابيد الذين لا يقدرون التهديدات المحيطة بالدولة". فقد خيبت الاستطلاعات تقديره حيث تعطي ثقة أكبر لطرفي التحالف حيث يرتفع لبيد لو أجريت الانتخابات إلى ثلاثين مقعدا وبالتالي سيكون رئيس الوزراء القادم فيما يرتفع شريكه إلى خمسة عشر مقعداً، وهذه أخبار تجعلهما أكثر برودة وارتياحاً وحتى أكثر رغبة بتعقيد الأمر أمام نتنياهو ليفشل ويذهب باتجاه الانتخابات لن يحظى فيها الأخير مع ليبرمان بأكثر من 22 مقعدا، فهل هذا خيار وارد؟ أم ما هو الحل أمام نتنياهو؟ إنها مشكلة كبيرة في وجهه ...! Atallah.akram@hotmail.com