أصدرت المحكمة الإدارية العليا المصرية، قبل يومين، قراراً يُعطي الحق لرجال الشرطة بإطلاق لحاهم. وكانت وزارة الداخلية المصرية تُعارض إطلاق اللحى؛ خوفاً من إثارة الشكوك في حيادية رجل الشرطة، على اعتبار أنها ربما تمثّل رمزاً دينياً. في المقابل، أعلن الرئيس الهندي براناب موكيرجي أن بلاده ستُطلق أول بعثة لها إلى المريخ في وقت لاحق من هذا العام، في إطار سعيها للانضمام إلى السباق العالمي في غزو الفضاء. وستطلق الهند حسب رئيسها في تشرين الأول المقبل مركبةً فضائيةً غير مأهولةٍ للدوران حول الكوكب الأحمر بكُلفةٍ قدرها 83 مليون دولار. وفي خبر آخر، أعلنت وكالة الفضاء الفرنسية أن قمراً اصطناعياً فرنسياً سيطلق، الإثنين المقبل، محمولاً بصاروخ هندي ليستقر في مدار حول الأرض بهدف إجراء مراقبة عالية الدقة لحركة مياه المحيطات والجليد على سطح الأرض. وفي خبر من ألمانيا، أن عالماً ألمانياً سيعيش خلال الأسبوعين المقبلين في ظروف شديدة القسوة تحت أشعة شمس مستعرة في صحراء "أوتاه" الأميركية ليحاكي العيش في ظروف المريخ!. إذن هو صراع حضاري بين أمم تريد أن تحفر لنفسها اسماً في كتاب التقدّم والرقي والإنجازات العلمية والاختراع... وأمم أخرى ما زالت غارقةً في أوهامها.. منشغلةً بقضاياها "التافهة". لم نكن نرغب في أن يكون أحد إنجازات الثورة المصرية العظيمة متمثلاً في صراع على إطالة اللحى أو جز الشوارب أو جواز أكل لحم الجنّ للشيخ المصري محمد الزغبي أو مضاجعة الزوجة الميتة أو حق الزواج من فتاة في الرابعة عشرة من عمرها... . إذن هو واقع الانحراف الكامل عن الثورة التي كان يحلم بها المصريون والعرب، والتي كان مؤملاً انعكاسها على الوضع الاقتصادي والاجتماعي... وعلى الرغم من ذلك فما زلنا نحلم بأن تعود مصر إلى دورها السابق كقوة إقليمية فاعلة، وأن تساهم هي والثورات العربية في وضعنا على خارطة الحضارة والمدنية العالمية. ماذا حصل لمصر؟ وماذا حصل للهند؟.. مصر والهند هما دولتان من ثلاث دول أسّست حركة عدم الانحياز، بعد مؤتمر "باندونغ" في العام 1955، وهي من بنات أفكار الرئيس القومي المصري الراحل جمال عبد الناصر، والرئيس الهندي جواهر لال نهرو، والرئيس اليوغسلافي تيتو. في ذلك الوقت لم يكن الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي للهند أفضل من نظيره المصري.. بل على العكس استطاعت مصر أن تخطو بشكل متسارع نحو التصنيع والرقي الحضاري ابتداءً من إقامة السدّ العالي ـ الذي وفّر طاقةً رخيصةً بل شبه مجانية ـ وإقامة مصانع الصلب والنسيج والمواد الغذائية والإدارية.. والتوسع في التعليم الجامعي المجّاني.. وربما لولا الحروب التي خاضتها مصر ومحاولة الدول الاستعمارية تحطيم إنجازاتها لكان الأمر مختلفاً. كنّا نتوقع أن تكون الثورة المصرية امتداداً آخر وبأسلوب مغاير لثورة 23 يوليو.. أن نرى البناء والتوسع الاقتصادي وترميم الأوضاع الاجتماعية.. ولكن حتى الآن فإن الذي يحصل هو العكس تماماً.. فمصر الشعب المتماسك القوي المواجه لكل الضغوط الخارجية، أصبح منقسماً على نفسه وفي حالة استقطاب ثنائية، إذا ما تواصلت فستكون مدمرةً للجميع. كنا نتوقع ألا تنشغل مصر بإعلام غريب عجيب محاصر بين عشرات القنوات الفضائية الدينية أو تلك المتحزبة لأشخاص أو مجموعات لا تصبُّ في دائرة التنمية أو الدمقرطة، أو التعددية، بل أن تنصبَّ الجهود نحو مزيد من الاستثمار، وخلق فرص عمل حقيقية، والحدّ من البطالة، وبناء القدرات العسكرية والسياسية... ولكن لا يبدو الأمر كذلك حتى الآن. ففي الوقت الذي تمكّنت فيه الهند من الارتقاء اقتصادياً بحيث وصلت نسبة الزيادة السنوية في إنتاجها القومي إلى ما يقارب 10% كمجموع اقتصادي بحيث أصبحت تُعد في صفوف الدول المتقدمة.. علاوة على أنها أكبر دولة مصدرة اليوم للعمالة في مجال الإلكترونيات والعلوم البحثية... فلماذا وصلت الهند إلى هذا الوضع؟ ولماذا تخلّفت مصر إلى ما هي عليه الآن؟ في السبعينيات والثمانينيات، عندما كانت الهند تبني قدراتها الاقتصادية والعسكرية، وتؤكد حضورها الدولي، كانت مصر تقبع في خلافاتها الداخلية، وفي كثير من الحركات التي لم تعرف إلاّ لغة السلاح والرصاص لفرض أفكارها.. ولا عجب أن تصل الأمة العربية إلى هذا الوضع المتردّي، في وقت لا تترك فيه للفكر والعلم مكاناً. ABNAJJARALQUDS@GMAIL.COM