يحدث تطور بطيء، صامت وغير معلن دونما ضجيج إعلامي وحتى تنظير فكري سياسي، ولكنه كالماء الراكد الذي يجري في الأعماق، سوف يكون بعيد الأثر في نتائجه على التوازن في المنطقة، وربما العالم ككل، أشبه باتفاقية "يالطا" بعد الحرب العالمية الثانية بين الرئيس الأميركي روزفلت وستالين، التي وضعت أسس تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، على مدى النصف الثاني من القرن العشرين، باعتبارهما القوتين المنتصرتين في الحرب، تماماً على غرار ما فعلته بريطانيا وفرنسا بعد الحرب العالمية الأولى، في الاتفاقية سيئة الصيت التي سميت سايكس بيكو. ما الذي يجري حقاً اليوم، بين واشنطن وموسكو؟ في هذا الارتداد التاريخي الذي يشبه العودة إلى حقبة الدبلوماسية السرية إبان عهد الملكيات والامبراطوريات القديمة، حتى لنفترض أن اتفاقاً تجري كتابة بنود نصوصه، بين الطرفين بصورة سرية لإعادة إحياء روح يالطا القديمة، وان بصورة ناعمة وأقل فظاظة. والمسألة واضحة، وهي تقرأ من العنوان. متى فكرتم أن الامبراطورية الأميركية التي تشمل مصالحها العالم برمته، كان يمكن لها التخلي عن شعار بل مبدأ، "وحدانية قيادة العالم". المبدأ الذي طرح بالمناسبة منذ عقد التسعينيات من القرن الماضي، وتسلم هكذا من تلقاء نفسها، أولاً بالاكتفاء بهذا الدور من المقاعد الخلفية، ومن بعد ذلك مع دخول باراك اوباما ولايته الثانية فعلياً، التسليم علناً بالملف السوري، الى من؟ الى روسيا. في رسالة واضحة ولكن صادمة، الى جميع حلفائها المنخرطين في الأزمة السورية ان دقوا رؤوسكم في الحائط. ولاسيما الأتراك والعرب. اذهبوا الى موسكو وحلوا المسألة معها. وقد فعلوا بزيارة وفد وزراء الخارجية العرب وأمين عام الجامعة العربية، الى سيرجي لافروف الذي لم يتردد في إعطائهم محاضرة ساخنة. والواقع أن ما نحاول أن نبلوره هنا في تدعيم هذه الفرضية، او النظرية، انما بدأت مؤشراته الأولى في الأزمة الليبية بامتناع أميركا عن التدخل المباشر بثقلها العسكري، ومن بعد في التحول الى التعامل المباشر مع سيطرة الإخوان المسلمين في مصر وتونس، والتسليم لفرنسا بإعادة تركيب وإحياء نفوذها القديم في افريقيا، فيما ترك البريطانيون وحدهم الخاسرين. لذا نراهم يحاولون المشاكسة على الاتفاق الأميركي الروسي حول سورية، لسد الفراغ الأميركي في دعم المعارضة السورية بالسلاح. ملتحقة بريطانيا بهذا الموقف، الى جانب كل من قطر والسعودية وتركيا، ومجموعات الضغط داخل أميركا، لدفع اوباما لتغيير موقفه، بدعم المعارضة السورية بالسلاح. بيد أن العلامة الأهم في هذا السياق، ربما تتمثل بالصراع الخفي، ولكن الذي يبدو اليوم كحساب عسير فتحه اوباما مع بنيامين نتنياهو في ولايته الثانية. هنا نحاول أن نقدم قراءة مختلفة بعض الشيء لزيارة باراك اوباما الى اسرائيل ودولة فلسطين المحتلة. فما الذي بقي في الشرق الأوسط من مصالح حيوية تحرص عليها امبراطورية غرب عصرها، لم تعد قادرة على إشهار السيف، والخوض في غمار حروب توسعية، هدتها هذه الحروب، حتى باتت خزانتها على وشك الانهيار. "الهاوية المالية". ويصرح رئيسها على رؤوس الأشهاد، المفاوضات ثم المفاوضات والدبلوماسية فقط هي الخيار وقد ولى عهد هذه الحروب. ماذا بقي لخيار المفاوضة والدبلوماسية أن يحافظ على ما تبقى من مصالح لها هنا؟ قيل منذ زمن ولا زال هذا القول صالحاً الى اليوم، ان هناك خطين رئيسيين يحددان هذه المصالح الجوهرية للولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط: النفط الخليجي وضمان بقاء اسرائيل. والمقاربة واضحة: هذا هو النطاق الجغرافي السياسي، الذي يجب على أميركا التفرغ لمواصلة الحفاظ عليه، حتى لو اضطرت للقتال من اجله. وهذا الإطار الجيواستراتيجي يمتد من الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط حتى الخليج العربي، تركز آبار النفط. الخليج واسرائيل وبينهما فلسطين في القلب. لإعادة تركيب وإحياء النظام الإقليمي الأمني في الشرق الأوسط، مقاربة جيمس بيكر العام 1991، وذلك في مواجهة العواصف والتغيرات المحتملة بعد ثورات الربيع العربي، وإغلاق البؤرة المولدة لهذا التوتر ضمن هذا النطاق، أي النزاع الفلسطيني الاسرائيلي. هذه رحلة الى الشرق إذن يقوم بها رجل يضع نصب عينيه، إحداث انقلاب اجتماعي وطبقي داخل أميركا نفسها، عماد هذا الانقلاب الطبقة الوسطى، وعليه فإننا يجب أن ننظر الى انقلابه الخارجي باعتباره امتداداً طبيعياً لما يقوم به في الداخل. الخليج النفطي والملف الفلسطيني الاسرائيلي لنا، ولكم الملف السوري والمحور الإيراني السوري وحزب الله إذا شئتم على البيعة. هذا هو قوام المساومة أو الاتفاقية ربما غير المعلنة بين اميركا وروسيا. والاتفاق بعد حل الأزمة السورية برعايتكم أيها الروس على حل الملف الإيراني النووي وربما تحقيق السلام السوري الإسرائيلي، وبالتالي إعادة تركيب هذا الشرق الأوسط وفق هذه الروح الجديدة. شرق أوسط جديد، يحافظ فيه كل طرف على مصالح الطرف الآخر، ويحترمها. هل لهذا السبب، القراءة الصحيحة ربما لنتنياهو لما يحدث كان الاتفاق الأول الذي أبرمه لتشكيل الحكومة الجديدة هو مع تسيبي لفني، لتسليمها ملف المفاوضات مع الفلسطينيين باعتبار العودة الى الحل التفاوضي مجدداً هو العنوان الكبير للمرحلة القادمة، ولكن مفاوضات دون قدرة نتنياهو على ما يبدو ان يحدد أجندتها هذه المرة. وان اوباما هو الذي سيملي هذه الأجندة، ويمكن التسليم بصحة هذا الافتراض إذا سلمنا بان اوباما نفسه في تركيزه على الصين، والصين وحدها، قد لا يجد أمامه من خيار سوى اتباع مناورة نيكسون نفسها العام 1972، ولكن بصورة مقلوبة هذه المرة، التقرب من موسكو لعزل الصين ومحاصرتها، وذلك لأجل الحفاظ على حقول النفط الخليجية. بالتوازي مع هذا الانقلاب القيام بجهد دبلوماسي مكثف على غرار الجهد الذي قام به هنري كيسنجر في المنطقة أواسط السبعينيات لحل النزاع العربي الاسرائيلي. لان غير ذلك، أي التوصل الى هذا التفاهم الذي يمثل انقلاباً في المقاربة الأميركية، هو انتقال الأزمة السورية من الحواف الخارجية الى حروب من التشابك الإقليمي ما يهدد هذا النطاق الاستراتيجي. وهذا ما يعني أولوية الخليج النفطي على ايديولوجية العلاقة مع الابن المدلل الذي هو اسرائيل. ايديولوجية أعطت هذه المرة انجيلا ميركل شارة التعبير عن انتهاء صلاحيتها حينما ربطت هي الأخرى بين وقف اسرائيل الاستيطان وتقديم التعويضات المالية عن المحرقة، وهذا لم يكن ليتم دون تلميح أميركي.