خبر : ديمقراطية المصلحة ..محمد عبيد

السبت 23 فبراير 2013 10:58 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ديمقراطية المصلحة ..محمد عبيد



كثر من يعتقدون أن حل أي مشكلة عامة في مصر يتم من خلال صندوق الاقتراع، وأن تبديد غمامة أي أزمة ثقيلة وإثبات الصورة الديمقراطية للدولة، يتم عن طريق الانتخابات فقط، لكن هذه الرؤية لا يمكن إلا أن تفسر من إحدى زاويتين، الأولى الاستقواء بالصندوق الذي يفرز نتائج كما يشتهون، والثانية الاختباء خلف شعارات الإرادة الشعبية، وزعم الالتزام بها، وبالشعب كمصدر ومانح للسلطات .  إعلان الرئاسة المصرية قبل يومين عن تحديد موعد إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر إبريل/نيسان المقبل، في ظل القانون الجديد الذي أقره مجلس الشورى مؤخراً ورفعه إلى الرئيس محمد مرسي للمصادقة عليه، والذي نتج بناء على رؤية أحادية، ونزولاً عند رغبات الأغلبية الإسلامية في المجلس، يندرج في أحد الإطارين المذكورين آنفاً، وأغلب الظن أنه يتبعهما بدرجات متفاوتة، وإن كانت الغلبة لزاوية التخفي بزي الإرادة الشعبية .  تفاصيل الانتخابات والمراحل الأربع لإجرائها، والتقسيمات الإدارية لذلك، إن كان على مستوى المناطق أو التوقيت، ليست شأناً جديراً بالنقاش، كونها جوانب إجرائية لا أكثر، ولا تقدم أو تؤخر في مجرى العملية ككل، لكن توظيف واستخدام مفهوم الديمقراطية، في إطار المصلحة الضيقة لهذه القوة السياسية أو تلك، يجعل من العملية الديمقراطية برمتها، مجرد قناع لا أكثر لديكتاتورية قائمة على دعاوى كثيرة .  المتأمل في إحصاءات ونسب المشاركة الشعبية في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة التي شهدتها مصر، يدرك كم أن نموذج ديمقراطية المصلحة هذا، بات متسيداً الموقف، ومنهجاً لحكم جماعة “الإخوان المسلمين”، فنسب المشاركة قد لا تتعدى في أفضل الأحوال 50%، ونسب المصوتين للجماعة وحزبها قد لا تصل أيضاً إلى 50% من عدد المقترعين، ما يعني أن ممثلي نسبة تقل عن ربع الشعب المصري يحكمون ويرسمون، والغطاء جاهز، فبحوزتهم ما يسمونه “التفويض الشعبي” .  ديمقراطية المصلحة التي ينتهجها هؤلاء ستظل نموذجاً متبعاً ريثما تنقلب الأمور، وتجري رياح الاقتراع وصناديقه بما لا تشتهيه نفوسهم، وعندها سنجد تمسكهم بالسلطة ينطق من دون لسان، مؤكداً أنهم لن يتزحزحوا من مواقعهم، ولن يتنازلوا عن ديكتاتوريتهم التي بنوها وثبتوا أركانها باسم الديمقراطية والإرادة الشعبية .  الوضع بالنسبة إلى هؤلاء على هذه الشاكلة، فإن انتخبوا من أغلبية ناشطة تصوت “ميكانيكياً” لمصلحتهم كان به، وإن تمكن معارضوهم من إسقاطهم من خلال الصندوق يوماً ما، فعلينا أن ننتظر ما لا تحمد عقباه .  الأمر الأكيد أن بناء الديمقراطيات لا يتم برمشة عين، ولا خلال سنة أو اثنتين، فهذه العملية تراكمية، وتأخذ وقتاً، وتحتاج إلى عوامل كثيرة لإنجاحها، بدءاً بالتثقيف والتوعية، وبناء المجتمع الديمقراطي، وانتهاء بالانتخاب وصناديق الاقتراع كجزء من العملية، لا العملية بحد ذاتها .  النماذج الديمقراطية تبنى ولا تستورد أو تسقط ب”البراشوت”، وكثرة الانتخابات ومناسبات الاقتراع، لا تخلف إلا انعدام اليقين بجدية الساعين إليها في التغيير، أو وضع اللبنة الأولى للدولة المدنية الحديثة، لذلك لا بد من التريث والتأني، ولا بد من تواصل النضال السلمي المطالب بالديمقراطية، ولا بد من بنائها داخلياً من دون تدخلات، وإلا فإن ديمقراطيات المصالح ستتتالى .