حقد واحد، عمى واحد، ينتقل من مكان إلى آخر، يحاول أن ينشر الجهل في الشوارع العربية . وعناصر ظلامية تخرج من أوكارها ليلاً والناس نيام لتعبث وتدمّر . هي تخاف النور، فكيف لها أن تتآلف مع الحقيقة لتطل إلى العلن كاشفة وجهها في وضح النهار؟ هذه العناصر خرجت لتضرب رؤوس الكبار . كيف لها أن تقتل المرء وهو ميت؟ والله لو أمكنها لفعلت، لكنها وجدت منفذاً لغيظها في “ذبح” تمثال عميد الأدب العربي طه حسين في مصر وسرقة رأسه، بعد قطع رأس تمثال حكيم الشعراء وشاعر الحكماء أبي العلاء المعري في سوريا . أي جهل وأي حقد يدفع بالضعفاء إلى قتل الحكماء والعقلاء وهم أموات؟ في أي جحور يريدون دفن الوعي العربي كي يسود فكرهم المتحجر والمتطرف؟ هم الأحياء لكنهم يخافون من عبقرية المعري وطه حسين ومن الإرث العلمي والفكري الذي تركاه للعالم كي ينير بصيرته، كما أنار الله بصيرتيهما وقد عاشا كفيفين بعد أن أطفأ المرض نظر كل منهما . وهم حاقدون أيضاً على أم كلثوم “الست” التي لامست النجوم بشهرتها وإبداعها، فأسدلوا على تمثالها نقاباً أسود . قطعوا الرأسين، لكن هل استطاعوا أن يمسوا حرفاً من أدب هذا أو ذاك وفلسفتهما المحفورة في فكر العالمين العربي والغربي وعلمهما؟ كيف تموت تلك الأسماء وهي التاريخ بحد ذاته؟ أليس عميد الأدب العربي طه حسين العصا التي نتكئ عليها مذ كنا ندرس الفكر والأدب والفلسفة في المدارس؟ ألم يسهم المعري في تشكيل ثقافتنا كما فعل كل العباقرة والفلاسفة العرب؟ إنهم كارهون للتاريخ، ولكل فكر واع وعبقرية أبدعت فأثمرت فلسفة وعلماً وفناً . فالتماثيل مجرد رموز، لكنّ في قتلها رمزاً أيضاً يدلنا على جهل قادم يريد أن يلغي كل ما جاء قبله ليفرض نفسه ولو بالقوة . تطرف تفرضه مجموعات تريد للشعوب أن تكون عمياء، بلا رؤوس تفكر، تمشي كالقطعان خلف من يقودها . وبالسيف نفسه الذي قطعوا به رأسي طه حسين وأبي العلاء، يحاولون قطع الخيوط التي تربط بين ماضي الشعوب وحاضرها، ويحاولون إدخال الرعب إلى النفوس . الحاقدون على الكبار هم صغار . يخافون منهم وهم مجرد تماثيل من حجارة أو حديد أو نحاس . يخافون من أسمائهم وعبقريتهم التي لم تمت يوم ماتت أجسادهم، ولم تُدفن في مقبرة التاريخ . فما أحوجنا اليوم إلى حكمة كل كبارنا من رواد الفكر والتنوير وعبقريتهم . ما أحوجنا إلى استعادة مخطوطاتهم ونشر فكرهم في المدارس ووسائل الإعلام، وأن نتحدث عنه باستمرار ليكون السلاح الذي يُواجه به جهلاء العصر الحديث .