لم يكن خيار التجمع الفلسطيني الكبير الذي يناهز عدده ما يزيد على نصف المليون، الانحياز لأحد طرفي، او هي اطراف الصراع الدامي في سورية، كما انه ايضا لم يكن خيار القيادة، او القيادات الفلسطينية، والفصائل، باستثناء تلك اعلنت مبكرا انحيارها السياسي والعملي مع النظام.ولكن لم يكن ممكنا ايضا تحييد المخيمات الفلسطينية السبعة الموجودة على الاراضي السورية واهمها واكبرها مخيم اليرموك الذي يقع جنوب العاصمة دمشق، وهو جزء لا يتجزأ من جغرافية العاصمة، فلقد كان معلوما سلفا ان التفاهمات التي تم التوصل اليها بين الفصائل واطراف الصراع، غير قابلة للصمود، وغير قابلة للنجاح محاولات الوفد الفلسطيني برئاسة الدكتور زكريا الاغا من اجل البحث في حماية المخيمات من خلال تحييدها.عدد الضحايا بدأ يتحرك بقوة وبوتائر سريعة، ارتفعت فوق الالف ضحية من الفلسطينيين، وهو في حالة ارتفاع يومي مستمر، عدا عن الجرحى الذين لا يعرف احد اعدادهم، والمعتقلين ايضا، الذين لا تخلو السجون منهم، مخيم اليرموك جغرافيا يشكل ممرا اساسيا للمتصارعين، فهو واحد من بوابات وسط العاصمة دمشق، التي تربط بين احياء الزاهرة والتضامن، والميدان، وبين كتلة بشرية هائلة في احياء القدم والتقدم والحجر الاسود ويلدا وبابيلا، وحي السيدة زينب، وصولا الى المطار ومنطقة الغوطة، هذه الاحياء يسرح ويمرح فيها الجيش الحر، ويسيطر عليها بما في ذلك على مخيم اليرموك، الذي اصبح الى حد كبير خاليا من سكانه، عدا الفقراء والمعدمين منهم الذين لا يجدون لهم مكانا آمنا بديلا، اما المنطقة التجارية فلقد تعرضت للتدمير، والنهب، حتى يمكن المجازفة بالقول ان هذه المنطقة، قد تعرضت لخسائر تقدر بمليارات الدولارات التي لا يكترث المهتمون باحصاء الضحايا ازاء الكشف عنها ومعظمها خسائر فلسطينية.لسنا بحاجة الى معلومات خاصة بشأن الجهة التي تسيطر على مخيم اليرموك، اذ يكفي الاشارة الى التهديد الذي وجهته الجبهة الشعبية القيادة العامة باجتياح المخيم حتى نعرف ان المعارضة السورية المسلحة هي الجهة التي تسيطر على المخيم، دون ان تفلح كل محاولات الجيش السوري في تغيير الوضع، رغم انه يستخدم الطيران والمدفعية مما ادى الى تدمير اجزاء كبيرة من البيوت السكنية التي لم تعد صالحة.الحال في المخيمات الاخرى، ليس افضل كثيرا، فالمصيبة عامة، ويبدو ان لا مناص من ان يدفع الفلسطيني فاتورة لجوئه مرة اخرى ومرات حتى لو انه لم يفعل ما يبرر للآخرين زجه في الصراع. الفلسطيني في سورية يدفع ثمن المعاملة الجيدة تاريخيا من قبل النظام ازاء اللاجئين المقيمين في سورية، ويتطلع لأن يردوا الجميل فيما يدفع الثمن مرة اخرى من قبل المعارضة المسلحة، التي تنتظر من اصحاب الثورة والقضية ان يقفوا الى جانب المطالبين بالحرية والساعين للتغيير "الثوري".واذا كانت السلطات الفلسطينية والفصائل غير قادرة بما تملك من امكانيات التدخل لتقديم الاسعاف والحماية الكافية للفلسطينيين في سورية، فإن الجامعة العربية لا تعير المسألة اي اهتمام، كما ان الامم المتحدة هي الاخرى، لا تتدخل بالقدر اللازم لانقاذهم، وتكتفي في احسن الاحوال بتقديم معونات انسانية اغاثية.هذا الوضع عمليا سيؤدي بالعديد من الشبان الفلسطينيين، لكي يبحثوا عن خلاصهم بالانخراط المباشر وغير المباشر، مع هذا الطرف او ذاك، دون حسابات سياسية وانما وفق حسابات شخصية هي اقرب الى المغامرات.اجمالا فإن الوضع في سورية لا يزال بعيدا عن الحسم والحل سواء بوسائل عسكرية، او بوسائل سياسية، وبالتالي فإن ادعاءات النظام بأنه بات قريبا من الحسم هي ادعاءات تفضحها المواجهات الواسعة التي تجري في غير مدينة وقرية، وتفضحها ايضا وقائع سيطرة المعارضة المسلحة على مخيم اليرموك والاحياء المحيطة به والمتصلة به.ويبدو ان مسألة الحسم بالوسائل العسكرية ما تزال بعيدة المنال، فالنظام لا يزال يمتلك امكانيات كبيرة على العمل، وتتوفر لديه خطوط امداد تسليحية ولوجستية، وبشريه كبيرة، وهو ما يزال متماسكا، اما المعارضة المسلحة فهي الاخرى، لديها امدادات بشرية ضخمة حيث تشكل سورية قبلة للمجاهدين الاسلاميين من كل الاطياف والاتجاهات بما في ذلك القاعدة، الذين يتوافدون من كل المنطقة العربية وجوارها.وفي ضوء اشكال التدخل الخارجي، العربي والاجنبي، التي لا تزال مقيدة، بتوازنات دقيقة، وحسابات ومصالح متضاربة، لا تتيح مجالا لتدخل حاسم فإن معاذ الخطيب رئيس المجلس الوطني السوري لم يجد له سبيلا من ان يدعو الى حوار مع النظام.الحوار الذي دعا اليه الخطيب، يفهم من قبل النظام على انه اشارة ضعف، ولذلك، فقد جاء الرد ان النظام مستعد للحوار، وان سورية مفتوحة امام الجميع في اشارة الى رفض ان يكون الحوار خارج سورية، كما يرى المجلس الوطني، وبالرغم من ان المهلة التي اعطاها الخطيب لاستلام جواب النظام على مبادرته، الا انه لا يزال يتمسك بها، ما يشير فعليا الى ضعف المبادرة والجهة القائمة عليها، خصوصا وان تلك المبادرة قوبلت برفض وانتقادات كثيرة من قبل اطراف عديدة اهمها المعارضة المسلحة.واقعيا فإن مبادرة الخطيب ليست مؤهلة لتقديم حلول حتى لو ان النظام استجاب لها، وحتى لو انه جرى اتفاق بين الطرفين، وهو امر لا نرجح وقوعه، ولذلك فإن النظام قد يستجيب لها من باب اقتناص الفرصة المتاحة، لتفكيك المعارضة المفككة اصلا، وادخالها في تناقضات وصراعات تضعف قدرتها على المواصلة.ان المشكلة والازمة الرئيسية التي تواجه حركة التغيير في سورية، لا تكمن فقط في قوة النظام، ووحدته، وانما في تفككها وتشرذمها وغياب العنوان والقيادة الموحدة لها، ثمة فرق سياسي في سورية، وعناوين مختلفة، تتنازع الادعاء بتمثيلها "للثورة الشعبية السورية"، وثمة فرق عسكرية مختلفة ايضا رغم ان الاعلام يقدم اسم الجيش الحر، وجبهة النصرة عناوين لها.لم تعد الثورة، ثورة شعبية، فالصراع تحول الى صراع مسلح بامتياز، والمشاركات الشعبية تقتصر على تشييع الجنازات كلما امكن ذلك، فيما اخذ الطابع الاسلامي يطغى على المشهد العملياتي، وهو مشهد مربك، ويثير الكثير من القلق ازاء المستقبل الذي ينتظر سورية، في حال نجاح عملية التغيير، الحديث عن الطابع الاسلامي يذهب الى حاله من التنوع، الذي ينطوي على خطورة، حين ترى فيه دورا فاعلا للجماعات الاسلامية المتطرفة، مثل جبهة النصرة، والقاعدة، الامر الذي يؤدي الى تراجع الكثير من القوى عن تقديم الدعم والتأييد خوفا من ان تقع سورية المستقبل في ايدي هؤلاء، وفي كل الاحوال فإن اليد الاسرائيلية اخذت تمتد شيئاً فشيئا، ولا ندري بالضبط كيف سيتم تناول هذا الملف حين يصل الرئيس الاميركي الى اسرائيل الشهر القادم واي دور ينتظر اسرائيل ازاءه.في خضم الصراع الدموي الذي يجتاح سورية بكل ما فيها ومن فيها نلفت انظار القيادة الفلسطينية الى ان عليها القيام بواجبها ازاء نحو اربعمئة عائلة فلسطينية هي من بقايا المشردين من العراق، وتقيم في معسكر الهول شمال مدينة الحسكة.هؤلاء اصبحوا بلا رعاية، وبلا جوازات سفر، وبلا الحد الادنى من الامكانيات المادية والمعيشية، وبلا امل في ان تمتد اليهم ايادي المهاجر التي وعدتهم بحل مشكلتهم. لماذا يترك هؤلاء إما لحياة على الكفاف لا حياة فيها، واما لمهاجر لن تأتي، وبالتالي فإن القيادة مسؤولة عن تأمين مستلزماتهم وربما كان من الافضل، استيعابهم في قطاع غزة، حيث يمكن انقاذهم.