خبر : الإعلام الحارس والضحية ..اشرف العجرمي

الأربعاء 20 فبراير 2013 11:47 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الإعلام الحارس والضحية ..اشرف العجرمي



ليس غريبا ان تصب أنظمة الحكم التي ظهرت حديثا في أعقاب ثورات الربيع العربي جام غضبها على وسائل الإعلام التي حسب ادعائها لم تمنحها فرصة لتثبت نفسها وتؤدي دورها في خدمة الجمهور وفي تحقيق برامجها التي على أساسها تم انتخابها من قبل شعوبها في عملية ديمقراطية ونزيهة وشفافة. ونسيت هذه الأنظمة دور الإعلام في كونه يمثل ضمير الشعب والرقيب على أداء الجهات الحاكمة حتى لو لم تتمكن من أداء دورها هذا على أكمل وجه في عهد الأنظمة البائدة. بل نسي هؤلاء الحكام دور وسائل الإعلام في الدفاع عنهم او عن بعضهم عندما كانوا يتعرضون للاضطهاد والقمع والاعتقال على يد أجهزة الدولة القمعية. نحن الآن في عهد لا يقبل فيه حكام اليوم الانتقاد من احد خصوصا وهم يرون أنفسهم ينطقون بالحقيقة الكاملة المستمدة من التفويض الإلهي الذي منح لهم من رب العالمين والتي لا تعرف الخلل أو الخطأ بأي حال. وكأنهم ليسوا بشراً مثل غيرهم يخطئون ويصيبون ويرتكبون مخالفات وتجاوزات وأحياناً جرائم. فويل لمن تسول له نفسه أن يجاهر بتوجيه اللوم أو الانتقاد على قصور معين أو سوء إدارة أو فساد هنا وهناك في دول تنتظر شعوبها أن تنصف ويرد لها الاعتبار وتنجز حقوقها. لاشك أن ما جرى في الدول العربية التي خاضت غمار الثورة واستطاعت تغيير أنظمتها هو خارج حسابات الشعوب، فليس هذا ما تمنته وحلمت به، فكل همها هو الحصول على حياة أفضل ونظام أفضل يلبي طموحاتها وآمالها. ولم ترغب في استبدال نظام قمعي بنظام آخر لا يقبل النقد ولا الإشارة إلى قصور. صحيح أن الوقت لم يكن كافيا للانظمة الجديدة لتثبت نفسها بشكل كامل على الناقل وهي لم تصل إلى نصف ولايتها الدستورية، ولكن الحركات الإسلامية التي شكلت الأنظمة الحاكمة الجديدة كانت مستعجلة جداً في الوصول إلى رأس هرم السلطة والاستيلاء على كل مكوناتها دون أن تمر بمرحلة انتقالية تتعلم فيها كيفية إدارة البلاد بطريقة ناجعة. وكان الأجدى بها أن تكلف حكومات وربما تختار رؤساء من ذوي الخبرة في الحكم والإدارة وان يتركوا لأنفسهم الوقت لاكتساب الخبرة التي تؤهلهم للسلطة ما داموا يحظون بالأغلبية البرلمانية. واستعجلوا في إحداث تغييرات دستورية مستعجلة لتأمين سيطرتهم الكاملة على البلاد متناسين شعاراتهم ومواقفهم التي كانت سابقة لانتخابهم ولحصولهم على الغالبية. الشعوب ووسائل الإعلام لم تظلم أنظمة الإسلام السياسي الجديدة بل هي التي ظلمت نفسها بتسرعها وبانكشاف عجزها وقلة خبرتها. وليس منطقياً أن تحمل الإعلام إخفاقاتها وكأن هناك مؤامرة ضدها يحيكها الإعلاميون وتنفذها وسائل الإعلام، وكيف لهؤلاء أن يتناسوا دور وسائل إعلامهم الخاصة في الترويج لأفكارهم وفي الدفاع عنهم ضد ما لحق بهم من ظلم وملاحقة. من الواضح أن حركات الإسلام السياسي في العالم العربي لا تميز بين إدارة التنظيم السياسي الحديدي الذي يأتمر بأمر الأمير الذي لا يقبل النقض باعتباره ولي الأمر والتنظيم الذي عمل في ظروف العمل السري من جهة، وبين إدارة الدولة بأجهزتها المعقدة من جهة أخرى. بل إنهم لم يستوعبوا حقيقة مهمة كبرى وساطعة عمتهم عنها رغبتهم في الوصول إلى السلطة وهي أن تطلعات الشعوب بعد الثورات أكبر من أن يلبيها حزب بعينه أو جهة حاكمة، خاصة وأن الظلم والفساد الذي ساد في فترات الأنظمة السابقة عمره طويل امتد إلى عقود عديدة. ولو تمتع الإسلاميون الطامحون إلى السلطة والطامعون في مزاياها بالذكاء المطلوب ما كانوا ليسارعوا إلى احتلال مراكز السلطة العليا في مقابل الجمهور المتعطش للتغيير السريع الفوري والجذري. ولكانوا انتظروا مرحلة انتقالية يتحمل فيها غيرهم وزر الفشل الحتمي في تلبية مطالب الجماهير في فترة قياسية. من واجب الإعلام أن يتابع سلوك وأداء الحكام الجدد ليس فقط ليصوب أداءهم ولكن ليمنع أيضاً تغولهم في السلطة وهم الذين يعتبرون المعارضة جريمة تصل إلى مستوى الخيانة وربما الكفر، وكأنها خروج على الجماعة يستوجب القتل. وليس أدل على ذلك من التعرض للمعارضين بالقتل في أكثر من بلد. وهذا يملي على الإعلام في عهد الإسلام السياسي عبئاً أكبر ووظيفة أصعب، فالعمل الآن لا يحاكم بمخالفة قوانين الظلم بل بمخالفة فتاوى العلماء الذين يتبرعون لخدمة الحكام وتلبية رغباتهم. وهناك ظواهر جديدة في منتهى الخطورة في بلاد الربيع العربي بع صدور فتاوى بقتل المعارضين وتهديد بعضهم بالقتل مباشرة. وهناك عمليات قتل تمت في مصر وتونس. وواجب كل المتنورين والديمقراطيين والباحثين عن العدالة والشفافية والحكم الرشيد أن يدافعوا عن الإعلام الذي تحول إلى ضحية في وجه هذه الهجمة التي تريد إسكات المنابر والأصوات التي تدافع عن حق الجمهور في المعرفة وتحاول حماية مكتسبات الثورة وتنبه للمخاطر المحدقة بها والتي من الممكن أن تحولها إلى استبدال الظلم بظلم أكبر وأفظع في إطار أيديولوجيا تكفيرية لا تقبل الشراكة مع أحد ولا تقبل المعارضة والنقد وكل وسائل التصحيح والتصويب والرقابة الشعبية والدستورية. فالإعلام اليوم وخاصة في ظل التطور التكنولوجي كان عاملاً حاسماً في نجاح الثورات وتأجيجها وحشد الناس وخلق حالة من التواصل بين الملايين لم يسبق لها مثيل. ولا يجوز لأحد خاصة للذين ركبوا على ظهور الثورات واستغلوا قدراتهم التنظيمية في حصد نتائجها على مستوى السلطة والحكم أن يتنكروا للإعلام الذين كان له مساهمة كبرى في وصولهم للسلطة. فالدفاع عن الإعلام دفاع عن حق الناس في مراقبة الحاكمين ومحاكمتهم إذا حادوا عن الدرب الصحيح وإذا خانوا أمانة ناخبيهم.