العربة العربية الآن لا يجرها جواد أو حتى قطيع من الجياد، إنها بين جوادين أحدهما يجرها إلى الأمام والآخر إلى الوراء وهي رهينة للجواد الأقوى، لكن ما يخيفنا هو توازن القوة بين الجوادين بحيث تبقى مكانها، ويمضي الوقت وهي كعقارب الساعة المعطوبة، فالزمن لا يقيم وزناً للساعات الواقفة كما يتصور البعض، لهذا تتراكم المديونيات الحضارية والعلمية على مجتمعات أصابها تجلط الشرايين، وأصبحت تعاني شللاً نصفياً يهدد مستقبلها إضافة إلى حاضرها . وقد لا يكون هذا الصراع طارئاً في التاريخ، لأن من صميمه وصلب قوانينه وجدليته أن يكون هناك من يسعى إلى الأمام ويفكر بالغد، مقابل قوى شدّ عكسي ترى في التطور مقتلها . وسواء كان الحافز الشد العكسي نفسياً كالنوستالجيا والحنين أو أيديولوجيا، فإن الحصيلة واحدة وهي تكريس التخلف ومضاعفة إفرازاته . والمسألة أبعد من صراع أجيال، لأن في عالمنا العربي شباباً في السبعين وكهولاً في العشرين والثلاثين، فالأمر مرتبط بالأفكار لا بالأجساد، وشيخوخة الفكر أشد تنكيلاً بالبشر من شيخوخة العمر، وهناك من يبلغون أرذل العمر في عزّ شبابهم بسبب شيخوخة سياسية أو فكرية مبكرة . ولا يمكن اختزال دوافع هذا النزاع إلى بُعْد واحد، لأنه اقتصادي بالضرورة قدر تعلقه بالمصالح، خصوصاً بالنسبة إلى النخب والطبقة السياسية ومجمل المثقفين، لأن هؤلاء يعبرون عن مصالح الفئات التي ينتمون إليها كما قال غرامشي في أطروحته الشهيرة عن المثقف العضوي . في عشرينات القرن الماضي كان لدى العرب تنويريون قُذفوا بالحجارة والشتائم والتكفير والتخوين، لأن هناك قوى متضررة من هذا التنوير، وحوكم منهم من حوكم وهاجر آخرون، وكانت الهجرة الأقسى هي التي اتجهت إلى الداخل بحيث آثروا الصمت والانسحاب من الحلبة . والآن تصاعدت وتيرة هذا النزاع بين الترغيب في الحداثة والمستقبل والترهيب منهما، وفي بعض الأحيان أصبح هذا النزاع مؤدلجاً ومسلحاً، ويهدد السلم الأهلي . إنها حوارية خالدة في كل الأزمنة، فثمة من يشد إلى الأمام مقابل من يستدعي كل احتياطاته للشد إلى الوراء . وأيّ كلام عن نتيجة هذا النزاع ليس ضرباً من التنبؤات أو قراءة الطوالع، لأن هناك قرائن عديدة تجزم بأن التاريخ أشبه بالنهر الذي لا يعود إلى منابعه، لكن قد توضع أمامه السدود بحيث يضل عن المصب، وإذا احتكمنا إلى خبرة البشرية لآلاف السنين، فإن الجواد الذي يشد العربة إلى المستقبل هو الأوفر حظاً .