خبر : الثقافة في سياسة الدين والدنيا ...عصام نعمان

السبت 16 فبراير 2013 02:44 م / بتوقيت القدس +2GMT
الثقافة في سياسة الدين والدنيا ...عصام نعمان



كان اسمه “الربيع العربي” . في مدى بضعة أشهر أصبح اسمه “الربيع الإسلامي” . الإسلاميون، السلفيون منهم خاصةً، سيطروا على المظاهر السياسية في الساحات العربية التي أنتجت “ربيعاً”، بل سيطروا على السلطات الحاكمة في بعضها . ما سر هذه الظاهرة؟  لعلنا نذكر أن الناس، مجاميع هائلة من الناس، احتلت الميادين والساحات والشوارع خلال الحراكات الجماهيرية في مختلف الأقطار التي بزغ فيها “ربيع” . هؤلاء الناس كانوا، ومازالوا، من مختلف الأجناس والفئات والطبقات والشرائح يشكّلون أغلبية السكان في مجتمعاتهم الأهلية، ويعتنقون ثقافة غالبة هي الثقافة الإسلامية .  الثقافة في عالم العرب حاكمة، لعلها كذلك في سائر العوالم ولو بنسبٍ أقل . هي حاكمة بمعنى أنها صانعة معتقدات ومفاهيم وخيارات وتصرفات معتنقيها . أقول معتنقيها لأنها متجذرة راسخة في عقول وقلوب ومشاعر أصحابها، أي حامليها من أفراد وجماعات . إنها وعاء وعيهم ومضمونه في آن .  المتدينون، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، هم نتاج الثقافة السائدة في مجتمعاتنا . هم لا يختارون دينهم بل يولدون فيه . هم يولدون في أسَرٍ تعتنق أغلبيتها الثقافة الإسلامية فيصبحون مسلمين بطبيعة الحال الأسروية السائدة .  الأمر نفسه ينطبق على المتدينين المسيحيين واليهود، بل هو ينطبق على العلمانيين أيضاً . ذلك أن أرباب بعض الأسَر نشأوا في أوساط غير متدينة أو في مجتمعات منفتحة ومفتوحة على ثقافات متعددة فتتشكّل في وعيهم ثقافة حريوية (ليبرالية) يولد فيها أولادهم ويكتسبونها بطبيعة الحال .  في ضوء هذا الواقع الاجتماعي يمكن تفسير سيطرة الإسلاميين على حراكات “الربيع العربي” وتحويله إسلامياً . فالثقافة الإسلامية السائدة أفرزت أفراداً وجماعات تدين بالإسلام ما أفرز بالتالي مسلمين متدينين أو مجاهرين بانتمائهم إلى الإسلام، يشكّلون في مجموعهم أغلبية السكان .  تعززت هذه الصيرورة بعامل اجتماعي- سياسي فاعل هو تميّز بعض الحركات الإسلامية بتنظيم حزبي عريق وعريض . فالإخوان المسلمون بشتى تشكيلاتهم وتسمياتهم تنظيم قديم، حاضر وفاعل في أقطار عربية عدّة . قلّما يقع المرء في أي حزبٍ علماني أو ليبرالي أو غير إسلامي على قدْرٍ من التنظيم يضاهي ذلك الذي تتميّز به الحركات والأحزاب “الإخوانية”، لعل هذا العامل تحديداً، عامل التنظيم، هو الأساس في تفسير فوز حركة “النهضة” الإسلامية في تونس والإخوان المسلمين في مصر بالعدد الأكبر من المقاعد البرلمانية .  الثقافة الإسلامية السائدة أفادت الأحزاب الإسلامية، ولا سيما “الإخوانية”، في ترجيح غلبتها على الأحزاب غير الإسلامية وفي وصولها تالياً إلى السلطة . لكن ذلك لا يعني بالضرورة تدويم بقائها فيها . ذلك أن لعوامل أخرى، سياسية واجتماعية، دوراً مؤثراً في تكوين موازين القوى وتغييرها . العاملان البارزان هما المنافسة السياسية، والحاجات الاقتصادية والاجتماعية .  السياسة، في التحليل الأخير، التي تسيّر وتدبّر شؤون الدين والدنيا . والسياسيون، أفراداً وجماعات، من المفاهيم والمصالح المتضاربة ما يجعلهم في صراع دائم في ما بينهم . الصراع السياسي لا يحتدم بين زعماء وجماعات متباينة أو متناقضة فحسب، بل داخل الجماعات السياسية نفسها أيضاً . ففي مصر، حدث صراع داخل الأزهر بين الإخوان المسلمين وغيرهم من الجماعات الإسلامية على انتخاب مفتي الديار المصرية، فكانت النتيجة لمصلحة مرشح خصوم “الإخوان” . في تونس، حدث صراع سياسي بين رئيس الحكومة “النهضوي” حمادي الجبالي، الداعي إلى تأليف حكومة “تكنوقراط” تشرف على الانتخابات، ومرشد حركة النهضة راشد الغنوشي، الداعي إلى تأليف حكومة وحدة وطنية، قد ينتهي إلى فوز الجبالي .  الصراع لا يقتصر على المنافسة السياسية الشخصية فحسب، بل يتناول أيضاً مصلحة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تتعلّق بجماعة سياسية واحدة أو أكثر كما بالبلاد كلها . ففي مصر نشأ اقتناع عام لدى القوى السياسية غير الإسلامية كما لدى أوساط شعبية واسعة بأن الإخوان المسلمين متعطشون إلى السلطة ومصممون على الاستئثار بها، ضاربين عرض الحائط رغبات ومصالح قوى وفئات وشرائح متعددة في المجتمع . ذلك كله أدى إلى اندلاع معارضة شعبية واسعة ضد حكم “الإخوان” اتخذ في أحيان كثيرة شكل صدامات دامية، وقد ينتهي إلى إسقاط الرئيس محمد مرسي إذا لم تتدارك قيادة “الإخوان” تفاقم الاضطرابات السياسية والأمنية بصيغة سياسية توافقية تؤمّن كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة .  أمر مشابه حدث في تونس، فقد أخذت قوى غير إسلامية، عروبية وديمقراطية ويسارية وليبرالية، كما أوساط شعبية واسعة، على حركة “النهضة” وحلفائها رغبتهم في الاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين، فلجأت إلى الشارع للتعبير عن سخطها ومعارضتها . غير أن قوى إسلامية متطرفة ردت على المعارضة المتنامية باغتيال أحد أبرز قادتها، شكري بلعيد، الأمر الذي فجّر انتفاضة عارمة في صفوف الجماهير، كانت حكومة الجبالي أول ضحاياها . في ضوء هذه الانتفاضة، يبدو أن ميزان قوى سياسياً جديداً بدأ في التكوّن وسيترك أثره بالتأكيد في مستقبل البلاد .  إلى ذلك، ثمة ميزة تتصف بها جماهير انتفاضات “الربيع العربي” أو “الربيع الإسلامي” هي أن أغلبيتها الساحقة تتألف من الفقراء ومحدودي الدخل الذين يعانون ضائقةً معيشية شديدة ويفتقرون إلى حدود دنيا من الصحة والتعليم والحياة اللائقة . ترافقت هذه الظاهرة مع تردّي الأوضاع الاقتصادية في الدول التي تعاني حكوماتها، ولاسيما في مصر وتونس واليمن، أزمات اقتصادية متفاقمة . يزيد الأوضاع السياسية والاجتماعية تأزماً أن الحزبين “الإخوانيين” الحاكمين في مصر وتونس لا يملكان برنامجاً اقتصادياً واجتماعياً للإنقاذ والإصلاح والتنمية، فضلاً عن تخلّف برنامجهما السياسي المثير للجدل والنزاع . كل ذلك ينعكس سلباً على الإسلام السياسي والقوى “الإخوانية” في شتى الأقطار، بينما ينعكس إيجاباً على القوى الناصرية واليسارية والديمقراطية عموماً، ولا سيما مَن يحمل منها برامج اقتصادية واجتماعية مدروسة .  قصارى القول إن عالم العرب، مشرقاً ومغرباً، يعيش حالاً من المخاض العميق، تلعب فيه الثقافة كما السياسة والعوامل الاقتصادية والاجتماعية أدواراً رئيسة، وأن الصراعات التي ينطوي عليها حادة وطويلة ولن تظهر نتائجها قبل زمنٍ مديد .