اقترنت كلمة تَجبيس بعادة صينية قديمة حيث توضع أقدام الأطفال من الإناث في قوالب من الجبس تَحوُلُ دونَ نُموّها . انطلاقاً من تصور جمالي أسطوري يرى أن صِغَرَ القدمين من علامات الجمال والأنوثة . لكن الأقسى من هذا التجبيس الذي يمارس ضد الأقدام هو تجبيس العقل البشري، بحيث يُمْنَع من النمو لكن بوسائل وأدوات أخرى غير الجبس وما يماثله من المواد المحسوسة، وهناك ثلاثة أقانيم لهذا النوع من التجبيس هي اليقينيّة والارتِهان وَعمىَ البصيرة، بحيث تكون الأسئلة ممنوعة خشية أن تتحول إلى مُساءَلات . والإجابات مُعلبة وناجزة، وبالتالي انعدام الحدّ الأدنى من التّأمل والحوار، فالحوار مونولوغ يدور بين الإنسان ونفسه ولا شأن للآخر به، ولا يشبه تجبيس العقل إلا تلك الطريقة التي كانت تُعْصَب بها عيون البِغال وهي تدور حول السواقي أو الطواحين، وذلك لسبب علمي هو أن لا تُصاب بالدّوار أو الغثيان . لأنها تدور حول نفسها فقط، أما حالة العمى المؤقت التي تعيشها أثناء الدوران الرّتيب فهي توهمها بأنها تسير إلى الأمام . وثمة مراحل في التاريخ كان تجبيس العقول فيها وَصْفةً نموذجية للطغْيان ومنع الوعي من النمو كي لا يكتشف النّمر الذي تربى في قطيع الأغنام أَنهُ نمرٌ إذا صادف ورأى وجهه على صفحة الماء في غدير أو نهر . وقد كتب الكثير عن هذه الموضوعة المثيرة، خصوصاً في أزمنة الحكم الفاشي، لأن للوعي أيضاً عدواه الإيجابية . تماماً كما أنّ لِعمى البصيرة عَدْواه . وأخطر ما في هذا الأمر أن تجبيس العقل يحمل أسماء مستعارة ومُضَللة خصوصاً عندما يكون المبرر أيديولوجياً وعلى الأتباع أن ينفذوا فقط، وألا يسمحوا للأسئلة أو أية هواجس أو شكوك أن تتسلل إلى نفوسهم . فإذا قيل لهم إن الأرض لا تدور، رددوا الصدى، وإذا قيل لهم بعد دقيقة واحدة إنها تدور هزوا رؤوسهم موافقين، وهذه الفلسفة المضادة للتاريخ ولطبيعة البشر من شأنها أن تنتج قطعاناً بشرية، فالاختلاف مَحْظور، لأن هناك من يرى لهم وَيُفكر نيابة عنهم، ولا يترك لهم سوى حُريّة واحدة هي حرية الانتحار . وبشكل ما فإن تاريخ التطور والتنْوير كان سباحةً مضادة بعكس هذا التيار سواء تعلق الأمر بعلماء أو مصلحين أو أدباء وفلاسفة، ومنهم من دفع الثمن لأنه أعلن العصيان على ثقافة التجبيس وعمى البصائر، وقرر أن يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، لكن هؤلاء أعيد الاعتبار إليهم وهم ساهرون في قبورهم المضاءة . والثقافة كما المعرفة كلها ليست تراكم معلومات، أو مجرد كتابة على الماء أو الهواء، إنها برسالتها الخالدة تحارب تجبيس العقول، وتحرّر البشر من القطعنة والامتثالية، لهذا فهي الآن في ذروة الاحتدام مع مضادات الوعي وأمصال التدْجين، لأن خصوم الوعي توحشوا في أُميّتهم السياسية والتاريخية .