خبر : مسيحيوالشرق والطريق الى دمشق ...بقلم: حسين حجازي

السبت 16 فبراير 2013 10:40 ص / بتوقيت القدس +2GMT
مسيحيوالشرق والطريق الى دمشق ...بقلم: حسين حجازي



بخلاف مواقف سلفه السابق الكاردينال مار نصرالله صفير الذي لم يكن يخفي عداءه للنظام السوري وحتى للفلسطينيين زمن عرفات في لبنان، فاجأ الكاردينال الماروني الجديد بشارة الراعي الأوساط اللبنانية والمسيحية على وجه الخصوص، بقراره الذهاب الى دمشق الأسبوع الماضي، والمشاركة في حفل تنصيب البطريرك يوحنا العاشر اليازجي، بطريرك إنطاكية وسائر الشرق للروم الأرثوذكس. جنباً الى جنب مع ممثلين عن الرئيس السوري، في مناسبة أراد النظام السوري إظهارها كرسالة موجهة الى الخارج، وخصوصاً الى الغرب المسيحي، تعبيراً عن مدى تماسك جهاز الدولة السوري وتأييد المسيحيين للنظام والتفافهم حوله، في وجه الحملة الدولية والعربية التي يتعرض لها. ان الكاردينال الراعي الذي ربما خاطر بحياته في هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، على الطريق البرية بين بيروت ودمشق، واستحق عليها التهنئة بالسلامة بعد عودته، ما برحت مواقفه تثير الحنق عليه في أوساط من أبناء رعيته ولا سيما من أولئك بقايا الحرس القديم، من تيار المارونية السياسية، أمثال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، وحزب الكتائب اللذين كانا اشد المناوئين خلال الحرب الأهلية اللبنانية للوجود الفلسطيني. وفيما بعد للأسد الأب والابن معاً على حد سواء.  وقد بدا هذا الكاردينال المثير للجدل حوله، في هذه الرحلة الأخيرة الى دمشق، كما لو أنه يسدد الضربة الأخيرة، في سجل تراكمي من المواقف، الى ما تبقى من ارث تقليدي للمارونية السياسية التاريخية في لبنان، أرست دعائمه سلسلة متصلة من بطاركة مارونيين، جعلوا من "بكركي" مقر إقامتهم، بمثابة الحصن أو القلعة الصلبة في وجه اي تغيير او انقلاب على هذا الإرث. وهي النزعة المحافظة التي جعلت من سلفه الكاردينال مار نصرالله صفير يحول بكركي طرفا غير معلن في تحالف 14 آذار اللبناني، منحازا الى فريق سياسي من بين رعيته ضد فريق آخر، هو في الوقت نفسه الفريق الأكثري. وحلفاء هذا الفريق المسيحي الذي يضم حزب القوات اللبنانية والكتائب والكاردينال صفير من موقعه في بكركي مع آل الحريري، فان هذا التحالف فيما يسمى 14 آذار الذي نشأ بعد مقتل رفيق الحريري العام 2005، قد وضع نصب أهدافه العداء لسورية وتصفية الحساب التاريخي معها ونزع سلاح حزب الله، اي المقاومة اللبنانية، وذلك بدعم فرنسي وأميركي على وجه الخصوص، حيث اعتبر في وقت ما ان السفير الأميركي الشهير في لبنان جيفري فيلتمان هو الأب الروحي أو العراب الذي هندس هذا التحالف. سوف يقوم وفد من هذا التحالف، 14 آذار بزيارة غريبة الى غزة لتهنئة حماس السنية بانتصارها على إسرائيل في الحرب الأخيرة، وذلك نكاية بحزب الله الشيعي، والذي لم يكلف خاطره هذا التحالف بالسفر كيلومترا واحدا حتى الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب الله، لتهنئة هذا الأخير في انتصاره على نفس العدو في حرب تموز 2006 . ولم يتح الوقت في حينه لكي نشير الى هذه المفارقة، والتي لا تزال تطرح تساؤلات عدة حولها.  ولعله على رأس هذه التساؤلات ان كانت "حماس" فعلا تمتلك تصورا واضحا عن خريطة مواقف القوى السياسية اللبنانية، وتقييما صحيحا لهذه المواقف. ومن قبيل الكوميديا الساخرة، فقد كان ناقصاً فقط في هذه الزيارة ان يكون جعجع من بين هذا الوفد الزائر. جعجع حليف إسرائيل القديم وأحد المسؤولين عن جريمة مجزرة صبرا وشاتيلا. فكيف يتفق ان يكون تحالف 14 آذار الذي يطالب بنزع سلاح المقاومة في لبنان، الذي ينكر المقاومة اللبنانية في بلاده، هو الذي يبارك انتصار المقاومة الفلسطينية في غزة في صدارة المشهد، ولا يكون الحليف الطبيعي والحقيقي لهذه المقاومة اي حزب الله، الذي أمدها بالسلاح في السنوات الصعبة اي في ذروة محاصرة حسني مبارك لغزة. وهل كان من مصلحتنا، ان ننخرط حتى دون إرادة مسبقة على ذلك، في غمار هذه اللعبة الداخلية اللبنانية، والتي لها امتدادات إقليمية ودولية، ضد محور برهن عن صداقته الخالصة لنا، وكنا حتى الأمس نتغنى باننا جزء من محور المقاومة والممانعة.وفي غضون كتابة هذا المقال يوم الجمعة فان السؤال يطرح نفسه مجددا عن التقدير الحمساوي لأهمية بلغاريا في السياسة الدولية حتى تخطئ التقدير بزيارة وفد رفيع من أعضاء مجلسها التشريعي الى هناك وتتعرض الى هذا الموقف الصعب والمهين .  احياناً يبدو المرء غير قادر على الفهم وقد كانت هناك تقارير واضحة عن مدى التغلغل والنفوذ الإسرائيلي في هذا البلد غير المهم أصلاً، حتى تكلف "حماس" نفسها بزيارة وفد منها اليه. وقضية الاتهام الفاسد لحزب الله الأسبوع الماضي بمسؤوليته عن العملية التي حدثت العام الماضي في مطار بلغاريا، يجمع عديد من المتطلعين على الشأن البلغاري بفساد القضاء في هذا البلد المخترق بالنفوذ الإسرائيلي. فلماذا الذهاب من اصله؟ لكن عودة إلى السياق الرئيسي للقضية التي نحاول تسليط الضوء عليها، فان ما هو جدير ذكره هنا، أن ما يبدو انقلابا في الحصن الحقيقي للمارونية السياسية في لبنان، التي لعبت الدور الحاسم في إنشاء الكيان اللبناني وإرساء صيغته الطائفية، كانقلاب علوي من قمة راس المرجعية الدينية لهذه الطائفة، أي من بكركي نفسها. فان رجلا لم نأت على ذكره حتى الآن، هو الجنرال ميشيل عون، كان هو الصانع أو القائد الحقيقي الذي قاد هذا الانقلاب، الذي بات حقيقة اليوم مع غلبة كاسحة للجنرال عون وفريقه في التمثيل الماروني المسيحي، في الشارع كما تحت سدة البرلمان . بعد نجاحه في سحب هذا التمثيل من الأمراء التقليديين لهذه المارونية، اي حزب الكتائب والقوات اللبنانية بزعامة جعجع . ومع تحالف الجنرال عون والكاردينال الراعي وحزب الله، بدا كما لوان توازنا داخليا جديدا في لبنان ينشأ من خارج التركيبة التقليدية لأمراء الطوائف في لبنان في طريقه ان يغير بصورة جذرية التوازنات التقليدية في هذا البلد. في العام 1989 سوف اكتب محررا في مجلة "فلسطين الثورة" متعاطفا مع ثورة الجنرال في حينه في "قصر بعبدا" شرق بيروت، مطوقا ومحاصرا من القوات السورية قبل ان يقضي الأسد الكبير على ثورته، ويلجأ الجنرال الى منفاه في باريس 15 عاما، قبل ان يعود ثانية أشبه بالفاتحين الى لبنان ويقود ثورته الثانية هذه المرة من داخل البيت لتغيير وجه المارونية السياسية القديم. ويجد كما حليفه الكاردينال بشارة الراعي، طريقهما الى دمشق. قال البطريرك يوحنا العاشر اليازجي، في حفل التنصيب المهيب الذي أقامه النظام احتفاء به، الراعي الكنسي لأبناء رعيته السوريين، انهم في فرنسا والغرب الأوروبي يرددون هذه العبارة كمثل، تعبيرا عمن ضل طريقه ووجدها أخيراً ."لقد وجدت الطريق إلى دمشق". ولم يكن لاستحضار هذه العبارة في هذا التوقيت من معنى او دلالة أخرى. كأن البطريرك الذي يتبع الكنيسة الشرقية في روسيا يقول: نحن هنا في هذه المناسبة، المكان والزمان، والمدينة والبلاد، ومعنا الموارنة الكاثوليك الذين يتبعون كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان، بحضور الكاردينال الراعي هذا القداس، نتحدث نيابة عن مسيحيي الشرق وبلسانهم: لقد وجدنا الطريق الى دمشق، وهذه هي الطريق . يبقى سؤال أخير يستحق التأمل فيه، والإجابة عليه. لماذا يؤيد مسيحيو الشرق في لبنان وسورية وفلسطين النظام في سورية ويفضلونه غلى خصومه ؟ في موقف مجاف حتى للغرب المسيحي ؟ لاحظوا أيضا في هذا السياق المتصل تصريحات المسيحي الفلسطيني المطران عطالله حنا . لماذا هذا الحب المسيحي للرئيس السوري بشار الأسد، والدفاع عن النظام السوري في وجه جميع أولئك المتآمرين عليه؟ والجواب واضح . لم يضلوا يوما طريقهم إلى دمشق التي يدركون الآن أنها إن سقطت سوف يتهدد بقاؤهم ووجودهم على هذه الأرض. وقد لاحظ الجنرال عون في وقت مبكر من الأزمة السورية، إن فرص إقامة الديمقراطية في سورية عن طريق هذا النظام هي اكثر قربا وتحققا من إمكانية الوصول إلى هذه الديمقراطية عن طريق خصومه. وقد يبقى للزمن وحده أن يحكم على صحة نبوءة جنرال لا تخلو أفكاره من ألمعية فلسفية وسياسية لافتة أحيانا ومدهشة على صورة شخصية الرجل نفسه.