خبر : عن العنف في تونس ومصر ..محمد ياغي

الجمعة 15 فبراير 2013 10:23 ص / بتوقيت القدس +2GMT
عن العنف في تونس ومصر ..محمد ياغي



تتهم التيارات الإسلامية الحاكمة في كل من مصر وتونس القوى المعارضة لها برفض النتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع عبر تظاهرتها السياسية المباشرة ضد الحكم، أو من خلال تحريضها على الإضرابات العمالية القطاعية، أو حتى من خلال اتهامها بأنها تقف وراء أحداث عنف تؤدي الى عنف مضاد، وبالنتيجة تنزع تدريجياً شرعية الانظمة الجديدة وتمهد لسقوطها. الحقيقة ان هنالك مبالغة في الدور الذي تسنده القوى الإسلامية الحاكمة للمعارضة، لأن الحركات الاحتجاجية العنيفة، تأتي من خارج سياق المعارضة للقوى الحاكمة. الذي حدث في تونس ومصر خلال الثورتين كان احتضان الأغلبية المهمشة من الشعبين للقوى الثورية التي طالبت بإسقاط النظامين. هذه القوى وبالرغم من التصاقها بالقطاعات الاكثر فقراً من الشعبين، إلا أن بنيتها التنظيمية لم تمكنها من استلام الحكم بعد سقوط النظامين. من جهة هذه القوى صغيرة الحجم، تنظيماتها في أحيان عديدة ذات طابع أفقي، بمعنى الجميع فيها قائد.. تنظيماتها أيضا عديدة وفكرياً تتوزع بين قوى قومية ويسارية وديمقراطية ذات طابع إجتماعي.. من جهة أخرى، هذه القوى تتنافس فيما بينها، والخلافات الفكرية الجزئية بينها، في ظل غياب بنى تنظيمية واضحة لها، يحول هذه الخلافات الهامشية الى نوع من الخلاف العقائدي. هذه القوى أطلقت شرارة الثورتين، لكنها لم تستطع التحكم بمساريهما..لا ما ناحية الوسائل التي إستخدمت لاسقاط النظامين، ولا من ناحية النتائج التي سعت هذه القوى إليها.. المشهد الإعلامي مخادع لأن الناس التي لا تعيش في تونس، تتذكر مشهد العشرات من الالآف الذين تجمعوا في شارع الحيبيب بورقيبة أمام وزارة الداخلية مطالبين برحيل بن علي يوم 14 يناير، ثم تتذكر عبد الناصر العويني في نفس الشارع، لكن لوحده هذه المرة، يصرخ بأعلى صوته بأن بن علي "هرب". أما ما يتعلق بمصر، فإن الناس تتذكر هتافات المئات من الالآف الذين تجمعوا في ميدان التحرير مطالبين بإسقاط مبارك. هذه الأفعال النضالية، على أهميتها، لم تسقط أيّا من النظامين، لهذا ندعي بأنه مشهد إعلامي مضلل. الصورة التي لم ينقلها الإعلام، هي صورة الثورة الحقيقية.. هي صورة المواجهة الدموية بين الفئات المسحوقة وبين قوى الأمن. لم يبقى في تونس خلال أسابيع الثورة الأربعة مركز بوليس واحد، مقر حزبي واحد للتجمع، مقر واحدة للمحافظات، لم تاتي عليه النيران الفعلية للمسحوقين حرقاً وتدميراً. هذه المشاهد لم نشاهدها على التلفزيون، لكن الذي يذهب لتونس بقصد إستقراء حقيقة سقوط بن علي، يدرك، بأن السقوط لم يتم في شارع الحبيب بورقيبة، ولكن في المواجهات الليلية خلال الثورة والتي أدت الى إنكسار قوة البوليس فعلاً، وتخليه عن مهامه في حماية الديكتاتور، وهروب منتسبيه الى بيوتهم بعد تخليهم عن أسلحتهم وحتى عن ملابسهم. المشهد في مصر لم يكن مختلفا بأي حال.. حيث تم حرق 99 مركز شرطة، في القاهرة لوحدها 33 مركزا.. تم تدمير أكثر من 4000 عربة للشرطة.. ومقرات الحزب الوطني الحاكم بما فيها المقر المركزي تم حرقه.. أحد الكتاب المصرين يذكر مشاهدته لقوة من البوليس عددها يزيد عن 200، محاصرة من قبل المتظاهرين، تم إجبارهم على التخلي عن أحذيتهم مقابل تركهم يعودون الى بيوتهم بسلام. هذه المشاهد لم يبثها الإعلام "الليبرالي" الذي يريد التاكيد على ان الثورتين التونسية والمصرية هما ثورات الطبقات المتوسطة المطالبة بالديمقراطية الليبرالية، والتداول السلمي للسلطة. الحقيقة مغايرة.. القوى التي حسمت الصراع مع النظام القديم، هي القوى الاكثر فقراً وتهميشاً في البلدين، وهذه القوى مطالبها إجتماعية في الأساس. الإنتخابات لا تعني شيئاً بالنسبة لهذه القوى طالما أن وضعها الإجتماعي الذي ثارت من أجله لم يتغير. لهذا بإمكان القوى الإسلامية والليبرالية أن تتصارع على الحكم، لكن أياً منها لا يمكنه ان يحقق الإستقرار وينهي دورة العنف ما لم يتم الانتصار للفقراء في البلدين بتسخير موارد الدولة لحل مشاكلهم الملحة في الطعام والمسكن والعلاج والمياه النظيفة، وفوق ذلك، في العمل. مشاكل القوى الثورية في البلدين التي يمكنها التصدي لهذه المهمة عديدة.. فهي عدا عن تشرذمها، لا تمتلك برامج واقعية يمكن تطبيقها.. بإستثناء طرحها لمهمة إستكمال إسقاط الانظمة القديمة عبر إستمرار الثورة، فهي عاجزة عن القول لجمهورها كيف ستحل مشكلة الفقر، وكيف ستحل مسألة الصراع على السلطة.. بمعنى إن كانت الإنتخابات شكلا مرفوضا من جانبها، فما هو الشكل الذي يمكن الدفع به لتسلم السلطة. عندما ينفرد تنظيم بقيادة الثورة، فهذا السؤال لا يتم طرحه أصلاً..الخميني عين رئيس وزراء إيران قبل سقوط الشاه، وقبل حتى إعلان الجيش حيادة في الصراع بين الجماهير والشاه.. في الحالتين التونسية والمصرية.. السؤال ليس من يجرؤ على فعل ذلك، ولكن ما هو رصيده الجماهيري الذي يمكنه من إستلام السلطة بدون توافقات مع القوى الأخرى، وبالنتيجة، بدون الموافقة على إجراء انتخابات في نهاية المطاف لحل مسألة إستلام السلطة. لو إمتلكت أي من القوى الثورية الرصيد الجماهيري الكافي لحظة إسقاط نظامي بن علي ومبارك، لما كانت هنالك ضرورة لتوافقات ولانتخابات.. لكن أيّا منها، لم يمتلك ذلك.. وفي نهاية المطاف، الانتخابات لم تعكس حجم القوى المشاركة في الثورة أو الداعية لها، ولكن القدرة التنظيمية للأطراف التي تنافست على الحكم. تقسيم المجتمع بين حداثيين وإسلاميين في تونس، وبين مؤمنين وكفرة في مصر، يؤجج العنف بلا شك بدلاً من أن يقضي عليه.. لكن هذه المسألة يمكن حلها بالحوار والتوافقات بين القوى المتصارعة على الحكم إن كانت النوايا صادقة.. المسألة التي لا يمكن حلها بالحوار، هي مسألة الفقر، وكيفية تعامل الإسلاميين معها هي ما سيقرر مصيرهم في الحكم.