بعد جبهة الإنقاذ ومسميات أخرى جديدة في مصر، تشكلت جبهة باسم “الضمير”، يقول أعضاؤها إنهم في منتصف المسافة بين السلطة والمعارضة، أو إنهم في منزلة بين المنزلتين، ومهمة هذه الجبهة ثقيلة قد ينوء بحملها تيار سياسي، لأنها لا تدعو فقط إلى الاحتكام للضمير، بل هي الضمير ذاته، ذلك الضمير الذي كان مُستتراً أثناء الاحتدام ومعارك المليونيات والاعتصامات التي أعادت رسم تضاريس القاهرة بحيث يكون ميدان التحرير لفريق ومدينة نصر لفريق آخر، ومنطقة مسجد مصطفى محمود لفريق ثالث . فالصراعات السياسية لا تتوقف عند حدود الإيديولوجيات والمفاهيم المجردة، بل تمتد أيضاً لتُجغرف الواقع وتعيد تقسيمه وفقاً لمقاييس رسم من صميم الحراك السياسي، وللضمائر في لغتنا وفقه نحوها حكاية طويلة، فهي أحياناً تغيب وأحياناً تكون منفصلة أو مُتصلة، وللمتكلم والمخاطب أيضاً، والآن جاء دور الضمير المعنوي والوطني الذي يتصل بالسلم الأهلي وليس بالنحو، ومن حق المراقب أن يتساءل عن هذا الضمير في مسلسل العنف المتبادل بدءاً من أحداث شارع محمد محمود وقصر الاتحادية والمحكمة الدستورية، إضافة إلى حصار المدينة الإعلامية الذي رأى فيه البعض تكميماً جديداً للأفواه . من يرون أن هذا الضمير كان مُستتراً في تلك الأحداث التي انتهت إلى ضحايا ينتظرون الآن منه أن يكون أقل استتاراً، وبالتالي انفصالاً عن الشجن المصري الذي تسلل إلى كل بيت سواء من الأبواب أو النوافذ أو حتى عبر الشرفات . لقد عرف العالم كله مثل هذه الصيغ الوسطية التي تسعى إلى المصالحة الوطنية، لكن شرط نجاحها هو ألا تضم أفراداً يمثلون تيارات بعينها، كي تُعطى للحياد مصداقيته ميدانياً، لكن ما يتردد عبر القنوات الفضائية والصحف في مصر هو أن هذا التيار الضميري ليس مستقلاً، وفيه أطراف ذات ألوان سياسية منها ما هو فاقع، لهذا ثمة قلق وريبة من إنجاز ما وعد به أهل الضمير . هكذا نجد مصر الآن تشهد طرفاً ثالثاً من طراز مضاد . فالطرف الثالث الذي طالما نسبت إليه جرائم وعمليات عُنف كان يعني بدلالاته السلبية من يصبون الزيت على النار، ويزيدون الطين بلة من الدم وليس من الماء، لكن هذا الطرف الثالث المضاد له أهداف أخرى، ما إن يسمع الناس بعضاً منها حتى يتنفسوا الصعداء لدقيقة واحدة، ثم يعود القلق ومختلف الهواجس لإدراكهم أن المهمة عسيرة خصوصاً إذا كان تيار الضمير مشوباً من الناحيتين السياسية والحزبية بأطراف وافدة من خارجه ومن السلطة أو من معارضيها الأكثر راديكالية . والمفارقة أن دولة بهذا العمر الذي يتخطى الألفيات السبع تبدو الآن وكأنها في طور التجريب والبداية من أول السطر . فهل سبب ذلك تفكيك الدولة ومؤسساتها وتداعي أركانها أو الدخول إلى حقبة جديدة تتطلب استبدال المفاتيح والأقفال معاً؟ في الحالتين ثمة ما يُنذر بتصاعد وتيرة الخلاف، لأنه يتغذى على مدار الساعة من أحداث قد يتعذر التنبؤ بما يعقبها . ولو افترضنا أن ما يجري هو في نطاق التجريب، فإن للتجريب حدوداً خصوصاً بعد عامين .