خبر : المصالحة المسكينة: كل الشياطين في التفاصيل والنوايا ..بقلم: أشرف العجرمي

الأربعاء 13 فبراير 2013 12:04 م / بتوقيت القدس +2GMT
المصالحة المسكينة: كل الشياطين في التفاصيل والنوايا ..بقلم: أشرف العجرمي



اعتاد الشعب الفلسطيني وكل من يهتم بالقضية الفلسطينية على حديث المصالحة الوطنية الذي اصبح جزءاً أصيلاً من المشهد السياسي في الساحة الفلسطينية منذ اعوام. وأضحى هذا الحديث مملاً إلى درجة تبعث السقم لأنه في كل مرة يتحول إلى ثرثرة عقيمة واستعراض لفصاحة المتحاورين في التهرب من المسؤولية وإلقاء اللوم على الطرف الآخردونما تقدم حقيقي في هذا الملف الذي تحول إلى هدف وطني كما الاهداف الوطنية المتعارف عليها والمحفوظة غيباً:حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، الآن اصبحنا نتحدث عن هدف آخر ربما يسبق هذه الأهداف، ولكن للأسف تحقيقه مرتبط بإرادة فلسطينية وليس بموازين القوى مع الأعداء.في كل مرة نسمع كلاماً جميلاً عن قرب تحقيق الاتفاق أو تنفيذ الاتفاقات السابقة، وأيضاً عن النوايا الجادة والإرادة الطيبة التي تجعلنا نشعر أننا قاب قوسين أو أدنى من رؤية المصالحة والوحدة الوطنية على الأرض، وتظهر موجة جديدة من التفاؤل والأمل سرعان من تتلاشى بعد اجتماع أو اجتماعات قليلة تصطدم بتفاصيل لا تبدو معها أي إرادة حقيقة للوصول إلى المصالحة. وعند التدقيق في التفاصيل لا نجد أن الشيطان يكمن فيها بل هي الشياطين بذاتها. فيعود الضباب يغطي المشهد، ونرجع مرة أخرى للتمنى بأن ينقشع الضباب من جديد في اجتماعات جديدة قد تصبح نوعاً من الملهاة المأساوية. بعض النقاشات تحولت إلى نوع من الفلسفة للتغطية على مصالح بعيدة عن هذا الهدف الوطني الذي من المفروض أن يقوّي عزيمتنا وإرادتنا في التصدي لمشروع الاحتلال الاستيطاني مثل سؤال البيضة والدجاجة من الذي يسبق الآخر حكومة التوافق أم تحديد موعد الانتخابات. وتفاصيل كثيرة حول طريقة الانتخابات التي ستجرى في الداخل والخارج هل هي نسبية كاملة أم نظام خليط 60-80% نسبي والباقي دوائر وهكذا. طبعاً هذا النقاش والجدال والخلاف له مبرراته التي تكمن في تفكير الأطراف في كيفية تعزيز مواقعها في الانتخابات القادمة حتى لا تتحول الشراكة إلى خسارة الأغلبية وبالتالي الحصة الكبيرة في كعكة السلطة.هذه النقاشات لم تصل بعد إلى القضايا الصعبة التي تتعلق بحل مشكلة الأمن و جمهور الموظفين المتكدسين هنا وهناك، والأهم والجوهري فيها هو خطتنا لمواجهة الاحتلال والاتفاق على برنامج وطني يوحد الكل ويحشد الطاقات ويستند إلى الشعب الذي لا يزال ينتظر القيادة لتقوده نحو تحقيق طموحاته المشروعة. بل تكاد القضايا الجوهرية لا تظهر ولا يبدو أنها تحتل أي حيز في تفكير المتحاورين . فنحن الآن نختلف على الحصص حتى لو لم نتحدث عن ذلك صراحة، فكل المواقف التي يتم البحث فيها وتداولها مرتبطة بهذه النقطة تحديداً. ليس عيباً أن تبحث الأحزاب والقوى المختلفة عن تعزيز مواقعها وترسيخ مكاسبها ومكانتها لدى الراي العام وفي مؤسسات الحكم والتمثيل، ولكن من العيب أن يطغى ذلك على رؤية ما يجري في الوطن من كوارث ونكبات جلها بفعل سياسة الإحتلال ومخططاته، وبعضها بسبب قصر نظر قوانا وبحثها وراء مكاسب فئوية أو حتى شخصية أحياناً. ومن لا يرى المشروع الاحتلالي ويقلق ويخاف على مصير مشروعنا الوطني لا جدوى من الحديث معه في كل ما يهم الناس. لأن الحديث هنا يصبح ليس أكثر من ضريبة كلامية ومن شعارات يجري ترديدها بدون أي مضمون أو تفكير فقط لرد العين و خداع المواطنين. هناك أخبار تتحدث عن لقاء جديد في 19 من الشهر الجاري للبحث في وضوع تشكيل الحكومة – حسب ما ورد على لسان مسؤول ملف المصالحة في "فتح" عزام الأحمد، الذي بشر بصدور مرسومين رئاسيين في آذار القادم حول تشكيل الحكومة وحول الانتخابات. وهناك أقوال مطمئنة من الجانب المصري صدرت عن وزير الخارجية محمد كامل عمرو الذي تعهد بتوفير الدعم لحكومة التوافق الوطني. وهناك تصريحات جميلة كذلك نقلت عن رئيس المكتب السياسي لجركة" حماس" خالد مشعل يتحدث فيها عن الشراكة الوطنية التي تنهي الانقسام واعتبار أن منظمة التحرير ليست مغانم وانما حقوق وضرورات. وعن تحقيق المصالحة رزمة واحدة بمسارات متوازية. كل هذا جيد ويبشر بالخير والتفاؤل، ولكن هناك سؤال مطروح بقوة بعد كل هذه الجولات من الحوار والاتفاقات والاختلافات: ما الذي يجعل هذه المرة مختلفة عن سابقاتها ؟ وما الذي تغير في خارطة القوى وحساباتها المختلفة؟ حتى اللحظة لا يوجد ما يشير إلى أن قوانا الوطنية والاسلامية قد استوعبت دروس وعبر مجريات الأحداث لا انتصار معركة غزة ولا الانتصار في الأمم المتحدة والحصول على الاعتراف الدولي ولا حشود الاحتفال بانطلاقة "فتح" وانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ولا درس الانتخابات الإسرائيلية ولا التغيرات التي تحدث في العالم العربي نتيجة لثورات شعبية هائلة واخفاقات سياسية كبرى ، ولا متغيرات الساحة الدولية السأم من السياسية الاستيطانية الاسرائيلية. ولا تزال تحصر تفكيرها في مكاسب صغيرة بعيدة عن رؤية اللصورة الشاملة في المحيط الذي لا يبعد سنتيمترات كثيرة عن أنف قاداتها. ولا يمكن رؤية تطور في تفكير القيادات الفلسطينية إلا إذا ترفعت عن حساباتها الصغيرة بدأت تفكر بمنظور وطني شامل يأخذ بالاعتبار المخاطر التي تحدق بالقضية الوطنية و التحديات التي تواجهها على كل المستويات، وتعكس بمواقفها ايماناً بالشعارت التي تتغنى بها ليل نهار . وهذا كله لا يتأى إلا بقرار فوري بتشكيل حكومة توافق وطني وتوحيد العناوين والقيادة امام الشعب والعالم والمضي قدماً في تنفيذ اتفاق المصالحة المسكينة التي سئمت الانتظار من النقطة الأسهل إلى الاصعب مع خلق مناخات وأجواء ايجابية تساعد في تكملة الطريق نحو هذا الهدف.