كلام راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية الحاكمة في تونس، عن اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد باعتباره لا يخرج عما اعتادت عليه الثورات، ليس سوى محاولة لتسطيح القضية الأشد خطورة في بلادنا ممثّلة بالاغتيال السياسي . أحياناً يكون التشخيص صحيحاً بالمعنى الرياضي، لكن عندما يراد توظيف التسطيح من أجل تبرير استبدال الاستبداد ذي الثوب الليبرالي باستبداد آخر يرتدي ثوب الدين السياسي، نكون أمام عملية دهن للأزمات بالزيت كي تعبر من دون حلول . عملية اغتيال بلعيد أكبر كثيراً من تظهيرها كجزء من ضريبة التحوّل الديمقراطي، أولاً لأنها جريمة مدبّرة وليست عنفاً عابراً يثيره متحمّسون أو غوغائيون أو حتى مندسّون، وثانياً لأنها ارتكبت في أجواء تكفيرية واستهدافات عنيفة تكرّرت وسكتت عنها السلطة، لدرجة أن مناضلين عرباً اهترت جلودهم في السجون الصهيونية زاروا تونس بدعوة من قوى سياسية، واعتدي عليهم في تونس “الجديدة” . قد يكون لجوء الغنوشي لتخريجة “الثورة المضادة” منسجماً مع منطق الثورات عبر التاريخ، وربما أصاب في محاججته بأن “لا أحد يمكن أن يصدّق أن الحاكمين من مصلحتهم” اغتيال بلعيد، بل يضاف إلى كلامه أنه ليس من حق أحد أن يوجّه اتهاماً جنائياً لأية جهة، بل قد يكون أعداء تونس والعرب، وفي مقدّمهم الصهاينة، هم من نفّذوا جريمة الاغتيال، فهذا الاحتمال وارد ومرجّح، ولا شك أن من يستبعد “إسرائيل” من ارتكاب أي جريمة على الساحة العربية والعالمية، يكون مغرضاً ومشبوهاً . لكن الصحيح أيضاً أن مؤامرات الخارج تستفيد دائماً من سياسات القوى الداخلية، بما فيها الحاكمة، وتجد فيها ثغرات تنفذ من خلالها وتنفّذ مخططاتها الخبيثة . المشكلة الكبرى أن هناك قوى سياسية إذا واجهت انعطافاً في الطريق تحاول الإمساك بالطريق وتطويع مساره بالاتجاه الذي تريد . وعندما قال الغنوشي “أنا لست ابن علي، وبلعيد ليس البوعزيزي”، أراد أن يبعد عن تونس مشهدية إعادة إنتاج الثورة، لكنّه وهو يبث اليأس في قلوب مناضلي التغيير الديمقراطي الحقيقي، نسي أنه بكلامه، إذ وضع نفسه مكان ابن علي، أنه حاكم تونس مع أنه لا يشغل أي منصب رسمي . ومثل أشقائهم في مصر، يكرّر قادة “النهضة” في تونس التشخيص ذاته للأزمة الذي قالته الأنظمة الآيلة للزوال، فالحركة تتعرّض لمؤامرة من أعداء الثورة، واحياناً مموّلة من الخارج . حسناً، حزب رئيس البلاد منصف المرزوقي على خلاف مع “النهضة” والحكومة، فهل المرزوقي وحزبه من أعداء الثورة؟ لنترك المرزوقي جانباً، فها هو الجبالي رئيس الحكومة والقيادي التاريخي الكبير في “النهضة” يصر على تشكيل حكومة “تكنوقراط” رغم الرفض القاطع من الحركة، فهل الجبالي ينتمي إلى أعداء الثورة؟ . عندما يكون بلد في أزمة، يحرص الشرفاء على البحث عن حلول بمعزل عن القوى التي تنجح في اجتراح هذه الحلول . لا يستطيع العربي الحقيقي أن يكون ضد أية جهة، بما في ذلك حركة الإخوان المسلمين، إذا قدّمت نموذجاً مبدعاً يعيش عصره ويعبّر عن سياسة بناء وتنمية وعدالة اجتماعية، وفي الوقت ذاته سياسة استقلال وطني . لكن من الواضح أن التجربة في تونس ومصر، وحتى غزة، كشفت أن حركات الدين السياسي تدرّبت جيداً على المعارضة ولم تتدرّب على الحكم، وعندما يحاول مسؤول أن يمزج بين رجل الدعوة ورجل الدولة، فإنه يغادر الأول ولا يصل إلى الثاني، ولهذا سيضطر التونسي الظاهرة، أحمد الحفناوي، للقول مجدداً “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية” .