إنها إعادة إنتاج لما سمي في زمن ما المستبد العادل، وهي إذ تستعير من أمراض الجسد مصطلحها ودلالاته تذهب إلى ما هو أبعد وفي العمق السياسي، وكأن الدكتاتورية تنقسم أيضاً إلى ورم خبيث وآخر حميد . وما كان لهذا المفهوم أن يطرح في عصر مشبع بالديمقراطية ومناخاتها لولا ما تم اقترافه باسمها، فهي ليست نهاية المطاف وليست غاية لذاتها بقدر ما هي طريق وأحياناً يخرج من صندوقها ما هو أسوأ من صندوق باندورا اليوناني المملوء بالشرور، فقد كان هتلر وحزبه من إفرازاتها عندما أُسيء استخدامها وانتهى الأمر بمن اختطفوها إلى احتكارها، خصوصاً بعد أن وجد النازي مايسترو يقود الميديا بالبندقية وليس بالعصا الرشيقة مثل غوبلز الذي قرر أن يكذب على نفسه حتى يصدقها وعلى الآخرين حتى يدفعوه إلى الهاوية . إن للاستبداد سايكولوجيا يجب أن تُدْرَسَ، ولحسن الحظ فإن دور النشر التي أعادت طباعة كتب من طراز “طبائع الاستبداد” للكواكبي، وسايكولوجيا الجماهير لغوستاف لوبون اختارت الوقت المناسب رغم مرور قرن أو أكثر على صدور تلك الكتب، فالاستبداد يتناسل بأسماء عدة، والرأي العام قابل للتلاعب، أما الدكتاتورية فهي ليست فيروساً يصيب زعيماً، إنها أيضاً تولد من تزاوج بين العديد من العناصر، ولا بد للدكتاتور من جوقة تحترف تزيين الأخطاء وتبريرها، تماماً كما أن دون كيشوت كان بحاجة إلى ذلك التابع الكذوب الذي يروي انتصاراته الوهمية . وصناعة الدكتاتور ليست من الصناعات الخفيفة، لأنها بحاجة إلى فقهاء في هذا الفن، رغم أنهم أول من ينصرفون عنه عندما يضعف تماماً، كتلك الصبية التي تزوجها عجوز أعور، عندما سألته عن عينه المفقوءة بعد عشرين عاماً من الزواج وبالتحديد في اللحظة التي فقد فيها ثروته . ولا نظن أن هناك إنساناً سوياً وعاقلاً يسعى إلى إصابة جسده بورم حميد، لكنه يفرح إذا أصيب به لأنه يقارنه بالورم الخبيث، فالمسألة إذاً نسبية، وقد تضطر الشعوب إلى تحمل الدكتاتورية الحميدة إذا ابتليت شعوب أخرى وفي الزمن ذاته بالدكتاتورية الخبيثة، هذا رغم أن المراذلة لا المفاضلة هي المفردة التي تليق بمثل هذا الخيار بين أمرين كلاهما مر . والمسألة أخيراً ليست في الاختيار بين ديمقراطية مبقعة بالدم ودكتاتورية معطرة لإخفاء رائحتها، وهذا ما دفع الروائي ماركيز في روايته “خريف الباتريارك” إلى أن يسأل نفسه في قصر الدكتاتور المتخيل في أمريكا اللاتينية، عندما قال أين تعشش غربان الدكتاتورية وسط هذا المرمر وبين باقات الورد وفي ألسنة من احترفوا التزوير والتبرير . ما نخشاه هو أن ننتقل من المقارنة بين تخلف وتخلف إلى المقارنة بين ظلم وظلم أشد مضاضة .