خبر : هل ننتقل إلى مرحلة التكيُّف مع الواقع؟ ..طلال عوكل

الإثنين 11 فبراير 2013 08:12 ص / بتوقيت القدس +2GMT
هل ننتقل إلى مرحلة التكيُّف مع الواقع؟ ..طلال عوكل



يبدو أن على الفلسطينيين أن يتكيَّفوا مع المقولة الشائعة، "أن الحمل إذا توزّع انشال" بما تدل عليه من تقاسم المسؤولية عن الشعب الفلسطيني بين القادرين على القيام بها، وليس بما يدل على بناء الشراكات والاستفادة الجمعية من التنوّع والتعددية السياسية والفكرية والعملية.ها هي جولة أخرى من الحوارات والاجتماعات، والدردشات، تنتهي في القاهرة لا لتنقلنا إلى مربع المصالحة حتى بمفهومها السطحي السائد، وإنما لتشير إلى المزيد من الخلافات، والاختلافات حول العناوين ذاتها التي جرى الحوار سابقاً عليها وقيل إن هناك اتفاقاً بشأنها.ما وقع في القاهرة من اجتماعات تفيد عملياً، بأنه لا يوجد اتفاق مصالحة جدي ومقنع وقابل للتنفيذ العملي، وان ما كان تم الاتفاق عليه عفى عليه الزمن. نفهم بأن ما هو معروف باتفاق المصالحة، بما في ذلك إعلان الدوحة، قد مضى عليه وقت، وانه كان ابن الظروف والعوامل التي أنتجته، وان ثمة ما يستدعي المراجعة والحوار مجدداً، انطلاقاً من تغير الظروف.فمنذ أن انتهت الحوارات الجماعية والثنائية، التي أنتجت الاتفاق وقعت أحداث كبيرة في الإقليم وعلى الساحة الفلسطينية كان من بين أهمها التغيير الذي وقع في الشقيقة مصر، والإنجاز الحقيقي الذي حققته المقاومة في غزة خلال العدوان الأخير عليها، والإنجاز السياسي في الأمم المتحدة ولكن من بين أهم تلك التغيرات، أيضاً، أن الزمن لا يمضي عبثياً، بل إنه يكرس المزيد من الوقائع الانقسامية على الأرض، وفي التكوين الثقافي والنفسي للناس.تغيرات كثيرة وقعت، وتكرست خلالها مجموعات المصالح التي نمت وترعرعت وتغذّت من شرايين الانقسام، ولكن بدون تغيير حقيقي في الرؤى والبرامج السياسية، والخيارات الأساسية لدى الأطراف.لا نتحدث عن النوايا، ولا عن ممكنات إدخال بعض التعديلات على منظومات المفاهيم والخيارات السياسية، والأهداف لدى الأطراف الفلسطينية الرئيسية، وإنما نتحدث عن وقائع قائمة ذات أبعاد استراتيجية لها علاقة بالطموحات المشروعة لدى الفصائل المعنية.في الأصل فإن الحوار الذي جرى لسنوات وعبر وساطات، وجولات في الوطن وخارجه، لم تنطلق من النقطة الأساسية، وهي السياسة والاستراتيجيات. فبغض النظر عن النقاش الذي جرى حول دوافع الانقسام وأسبابه، إن كان سياسياً أم سلطوياً، فإن كل عمل نقوم به ينطلق من السياسة ويعود إليها. ويبدو أن ثمة من لا يرغب في الذهاب إلى مثل هذا الحوار ذي الأبعاد الاستراتيجية طالما أن كل طرف متمسك باستراتيجيته وخياراته، ويصر على مراهناته وسلوكه فمثل هذا الحوار ينبغي أن يؤدي إلى إنتاج برنامج قواسم مشتركة، ومثل هذا البرنامج غير مرغوب في التوصل إليه.هرباً من هذا الاستحقاق يظل الكل يتحدث عن وثائق واتفاقات سابقة، فمرة نتحدث عن وثيقة الوفاق الوطني التي كان للأسرى الدور الأساس في صياغتها والتوصل إليها، ومرة نتحدث عن اتفاق القاهرة، في آذار 2005، بشأن منظمة التحرير، وكأن تلك الوثائق ارتقت إلى مستوى القداسة. إن مثل هذه الأحاديث لا تفيد إلا في سياق البحث عن شمّاعات يجري تعليق السلبيات عليها، ولإلقاء المسؤولية على الآخر، والحقيقة أنها ليست ذات قيمة عملية، إلا للمؤرخين وطلبة الدراسات ولو أنها كانت وثائق حقيقية وصالحة، لكان جرى اعتمادها والبناء عليها وتنفيذها.المسألة في الواقع ليست مسألة صياغات ونحن كفلسطينيين مبدعون في اشتقاق الصياغات، التي قد ترضي شكلياً رغبة كل طرف، يفسرها على هواه ثم نختلف بشأنها في الحياة العملية، وإنما هي مسألة قناعات راسخة بشأن كل منظومة العمل السياسي الوطني، المطلوبة لتحقيق الأهداف.اختلف الناس في القاهرة مجدداً، حول جملة من القضايا الأساسية التي تشكل مفاصل وعناوين المصالحة. الملف الأمني مثلاً، كالنار لا أحد يريد الاقتراب منه والمقصود بهذا الملف، كيفية إعادة بناء وهيكلة الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة. على أساس الشراكة ووفق معايير وطنية ومهنية، ثم أية عقيدة أمنية وأية مهمات ينبغي على هذه الأجهزة أن تؤديها، وهل يمكن أن تؤدي الأجهزة الأمنية في القطاع أدواراً ووفق عقيدة تختلف عن مثيلاتها في الضفة؟ماذا عن كتائب المقاومة المسلحة، التي تشكل جزءاً أساسياً من منظومة العمل السياسي في قطاع غزة، ورافعة أساسية لبرامج عديد الفصائل الفلسطينية التي لا تزال تتبنى برنامج المقاومة كأولوية. هل يمكن لفصائل المقاومة في القطاع أن تسلم بمقولة توحيد السلاح الفلسطيني، وان السلاح الشرعي الوحيد هو سلاح السلطة.واختلف الناس، أيضاً، بشأن الانتخابات للمجلسين الوطني الفلسطيني والتشريعي، فهل يمكن أن يكون التشريعي جزءاً من الوطني أم لا، وبالتالي هل يمكن أن تجري انتخابات الوطني على أساس التمثيل النسبي الكامل فيما تجري انتخابات المجلس التشريعي على أساس 75% نسبي و25% دوائر، وهذه وتلك كان جرى الاتفاق عليها سابقاً؟أما الخلاف على مسألة تشكيل حكومة الكفاءات وعلاقة ذلك بالانتخابات فهو يشير إلى جوهر المسألة، وجوهرها، أن الثقة غير متوفرة لدى الأطراف ببعضها البعض. تتحدث حماس عن ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة، طالما أن لجنة الانتخابات المركزية قد بدأت تزاول أعمالها في قطاع غزة، كما كان مطلوباً، وعلى اعتبار أن الحكومة هي التي تشرف من بين مهماتها على مجريات العملية الانتخابية. الرئيس محمود عباس يرى بأن موعد تشكيل الحكومة يتزامن مع انتهاء لجنة الانتخابات من تحديث السجل الانتخابي، بعد ستة أسابيع، بحيث يجري إصدار مرسومين في وقت واحد، الأول بتشكيل الحكومة والثاني بتحديد موعد الانتخابات بما لا يتعدى الفترة من ثلاثة إلى ستة أشهر.في ضوء هذه الخلافات وغيرها، من غير الممكن أن تنطلق لجان المصالحة الأخرى، في أعمالها وأن تحقق النجاح المطلوب، فلقد قامت سابقاً بعمل ولكنها تعثّرت، بسبب تعطل المصالحة.هذا التعطيل الجديد، لا يعود إلى أسباب خارجية كما كان الأمر في سنوات سابقة وإنما يعود إلى تعطل الإرادة السياسية الفلسطينية، وإلى التخوفات العميقة التي يشعر بها كل طرف من الطرف الآخر،إذ لا يريد أحد أن يضحي بما تملك يداه، وإن ضحى بشيء فإنه ينتظر مقابل ذلك ثمناً أفضل.على هذا يبدو أن الناس مرتاحون للأجواء الإيجابية السائدة عموماً، ولكن دون مصالحة لا حقيقية ولا سطحية.