هل يمكن تحديد الهوية؟ وعلى أي أساس؟ هل هي هوية المكان؟ فالإنسان يولد في بقعة من الأرض، في وطن وفي دولة. ينشأ فيه ويترعرع. يقضي طفولته وصباه، ورجولته وشيخوخته. يحن إليه كلما غادره. وطالما نشأت الأغاني في الحنين إلى الأوطان وآلام البعد عنها وضرورة عودة «الطيور المهاجرة»، والتغريب جزء من الحدود أي الإخراج من الأوطان لمدة عام حماية للمجتمع من سوء أفعال صاحبها. وللرسول صلى الله عليه وسلم قول ساعة الهجرة من مكة وهو ينظر إليها ويصفها بأنها أحب الأماكن إلى قلبه، ولكنه يتركها مضطراً إلى أن عاد إليها بعد الفتح. وكتب أبو حيان «الحنين إلى الأوطان»، فالهوية المصرية نسبة إلى مصر، والتونسية نسبة إلى تونس، واليمنية نسبة إلى اليمن، والسورية نسبة إلى سوريا... وهكذا، والإقليم هو الجغرافيا وليس الدولة. إذ تتغير حدود الدولة مثل السودان ولكن الإقليم لا يتغير. والوطن عند الفيلسوف الألماني فشته يجاوز الحدود الجغرافية، هو الوطن المثالي، الوطن الفكرة، الوطن الروح. فمهما احتلت الأرض فإن الروح لا تحتل. الوطن شقيق الروح. هو وطن الصوفية الذي تعود إليه أرواحهم في عالم الأرواح خارج عالم الأبدان. فمصر ليست هي الموجودة في كتب الجغرافيا للمدارس الابتدائية، المحدودة بالبحر الأبيض المتوسط شمالًا والسودان جنوباً، والبحر الأحمر شرقاً، والصحراء الغربية غرباً بل هي: مصر التي في خاطري وفي فمي... أحبها من كل روحي ودمي فعلى رغم أن الوجود الإنساني في بدن، والبدن في مكان، إلا أنه مستقل عن البدن والمكان. هو وجود مثالي في مكان مطلق. فالبدن حامل للروح، والمكان حامل للبدن. وقد تحدثت الصوفية عن جغرافيا الروح أي أن الروح هي المكان والمناطق والأقاليم. هل تنشأ الهوية من العرق؟ الهوية العربية بالنسبة للعرب، والهوية الكردية بالنسبة إلى الأكراد، والهوية الدرزية نسبة إلى الدروز، والهوية الأمازيغية نسبة إلى الأمازيغ. وهي الأعراق الغالبة في الوطن العربي. العرق ليس هو الماهية أو الوجود. العرق هو مادة طبيعية طالما أن الإنسان موجود بيولوجي. والأحياء سلالات. ويتفوق الإنسان على غيره من السلالات بأنه حيوان ناطق، أي حيوان عاقل. ويصعب تحديد الأعراق نظراً للتداخل بينها من خلال التزاوج والهجرات بل والحروب والغزوات. وقد يتحد العرق بالطائفة مثل الدروز والدرزية. والعرق سلالة بيولوجية لا دخل للإنسان فيه. وللإنسان أكثر من سلالة. والهوية لا ترتبط بالسلالة بل بالوعي الخالص. والوعي الخالص هوية خالصة، وعي ذاتي، لا صلة لها بالبدن. وكل النظريات العنصرية قائمة على ربط الهوية بالعرق والسلالة. وهذا ما ساد في النظريات البيولوجية في القرن التاسع عشر في الغرب عندما ازدهرت العلوم الحيوية بفضل نظرية التطور، والنشوء والارتقاء. وقد انتقلت إلى العالم العربي على يد شبلي شميل وفرح أنطون، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر وغيرهم. وتحدت نظرية الخلق التي تقوم على أن الشيء يخرج من لا شيء، في حين أنه في نظرية التطور يخرج الشيء من شيء حتى في التطور المنقطع الذي يسمح بوجود الطفرة. البدن يفنى ولكن تبقى الذكرى، ويستمر العمل الصالح بعد الموت. تتشابه السلالات في مادتها العضوية، ولكن تتفاوت الأعمال. هل تنشأ الهوية من الطائفة؟ فهناك الهوية الشيعية كأساس للدولة الشيعية؟ أليست الطائفية خطراً على وحدة الأوطان التي تتكون من عدة طوائف مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن؟ بل إن الدول الأوروبية نفسها تتكون من عدة طوائف، بروتستانت وكاثوليك وأورثوذكس. ولا يكفي في بعض الدساتير ذكر الإسلام كدين رسمي للدولة بل أيضاً تعيين الطائفة: الطائفية خلاف تاريخي في الدين بين عدة قوى سياسية متصارعة على السلطة ترجمت صراعاتها في شكل عقائد متباينة مثل السنة والشيعة. والكاثوليك والبروتستانت، والشيعة والسنة والمارونية في لبنان. الطائفية إنكار للوطنية والمواطنة، والتفرقة بين المواطنين على أساس طائفي. مع أن الوطن الواحد يتكون من عدة طوائف تتساوى في المواطنة. وجعل رئيس الجمهورية ماروني، ورئيس البرلمان شيعي، ورئيس الوزراء سني تغليب للطائفة على المواطنة. وخطورة الطائفية تحولها إلى تعصب وانتهاء بالحروب الطائفية التي ينتج عنها آلاف الضحايا بل والمذابح منذ سانت بارتلمي في القرن السادس عشر بين البروتستانت والكاثوليك حتى المذابح بين المسلمين والمسيحيين في أفريقيا وآسيا. الطائفة ولاء ديني تاريخي وليست هوية. وليس الطائفي مسؤولًا عنه. يولد ويموت فيه. يستطيع أن يتحرر منها إذا وصل حداً من العقلانية والرشد. وقد نشأت الطائفية في التاريخ بسبب الخلاف بين المؤمنين وصراعهم على السلطة. والإيمان هو تجريد الطائفية عن التاريخ وتخليصها منه حتى تعود صافية رائقة كالدين. هل تنشأ الهوية عن الدين؟ فهناك الهوية اليهودية من الدين اليهودي. فاليهودية في تفسيرها الصهيوني دين وسياسة. وهي في الحقيقة سياسة تستغل الدين لتبرير السياسة. اليهودية منتشرة منذ نشأتها في كل مكان. وتمتزج بكل الحضارات كاليهودية. الصهيونية دين وقومية أي دين ودولة. وتريد أن يعترف بها العرب ليس فقط كدولة بل كوطن قومي لليهود. فالدول تقوم وتنهار. أما القوميات الدينية أو الأديان القومية فإنها تنشأ وتبقى. وما دامت هناك دولة قومية لليهود فهناك دول قومية أخرى للدروز والأكراد والمسيحيين والعلويين والأمازيغ والتركمان حتى تأخذ إسرائيل شرعية جديدة من المنطقة ذات الدول الدينية. وتصبح أقوى دولة دينية، دولة ليهود المنطقة وخاصة أن أكثر من نصفها من اليهود الشرقيين. يؤيدها الغرب العلماني. وهو معيار مزدوج للحكم على الأشياء. لقد تخلى الغرب عن الدولة الدينية في بداية العصور الحديثة. ومع ذلك ظل الدين أداة طيّعة في أيدي السياسة عن طريق التبشير كمقدمة للاستعمار. الكنيسة الغربية جزء من الهيمنة الغربية تستعملها كأداة للهيمنة على غيرها من الشعوب التي يبدأ التبشير فيها. وإذا كان في الوطن الواحد دينان مثل معظم الأوطان العربية وكانت الهوية هي الدين شق الصف الوطني إلى مسلمين وأقباط كما هو الحال في مصر. ويحاجج أنصار الدولة الإسلامية بنفس المنطق. فالإسلام دين ودولة. هو الدين الرسمي للبلاد. والشريعة الإسلامية دستورها. وهو ما يخيف الأقباط. وهو ما يخيف أيضاً "العلمانيين"، والليبراليين والقوميين والاشتراكيين والماركسيين. والدولة الإسلامية ليست شعاراً أو إعلاناً أو شهادة بل هي الدولة التي تحكم بمبادئ الدستور التي تقوم على الحرية والعدل. وهي المبادئ الإسلامية كما حددها الإمام الشاطبي في مقاصد الشريعة ووضعها ابتداء. وهي خمسة: الدفاع عن الحياة ضد المرض والجوع وكل ما يؤدي إلى التهلكة، والدفاع عن العقل ضد الجهل والأمية والخرافة والسحر والشعوذة، والدفاع عن الدين أي عن الحقيقة المطلقة التي لا يختلف عليها اثنان مثل مبادئ التوحيد والعدل. والدفاع عن العرض أي الكرامة الفردية والوطنية وحقوق الإنسان الفردية والجماعية ضد انتهاكها، والدفاع عن المال العام والثورة الوطنية ضد كل مظاهر الفساد والتبذير والتهريب. لا فرق في ذلك بين دولة إسلامية ودولة علمانية، ليبرالية أو قومية أو اشتراكية أو ماركسية. فالصراع بين هويتين، إسلامية وعلمانية، ليس صراعاً فكرياً بل هو صراع على السلطة بين قوتين سياسيتين متعارضتين. عن الاتحاد