خبر : موازنة "شدُّوا الأحزمة" ...بقلم: عبد الناصر النجار

السبت 09 فبراير 2013 09:48 ص / بتوقيت القدس +2GMT
موازنة "شدُّوا الأحزمة" ...بقلم: عبد الناصر النجار



الموازنة الفلسطينية، المُعلنة للعام 2013، تتحدث عن نفسها بلغة الأرقام، مؤكدةً أن العام الجاري لن يكون أفضل مما سبقه، وأن الأزمة المالية ما زالت تعصف بنا، وإن تمكنّا من الثبات والصمود، وإن كان ذلك بثمن باهظ. حجم الموازنة الفلسطينية للعام 2013 هو 3,6 مليار دولار، بعجز سيصل إلى 1,375 مليار دولار، وهو الفرق بين الإيرادات والنفقات.من منظور إحصائي وليس اقتصادياً أو مالياً، فإن كل مواطن فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة سيكون عليه عبء عجز بمقدار 343 دولاراً؛ على اعتبار أن قيمة العجز مقسومة على عدد سكان الضفة والقطاع البالغ عددهم ما يقارب الأربعة ملايين نسمة.وفي مقارنة مع الجارتين الشقيقتين مصر والأردن، نلاحظ أن عجز الموازنة المصرية للعام 2013 سيصل إلى 30 مليار دولار. وبالتالي سيتحمّل كل مواطن مصري ما يقارب 375 دولاراً على اعتبار أن عدد سكان مصر لن يزيد على عتبة الـ 80 مليون.أما عجز الموازنة الأردنية، فسيبلغ 1,8 مليار دولار، وسيتحمل كل مواطن أردني عبء العجز بشكل فردي، وهو 276 دولاراً، وهو الأقلّ مقارنة بفلسطين ومصر.لغة الأرقام تفسّر ذاتها، وهي تنبئ بشكل لا يعتمد على الفلك والنجوم بل على الواقع المرير أن الأوضاع الاقتصادية بحاجة إلى إصلاح جذري حقيقي. الأرقام، أيضاً، تؤكد أن الشعوب العربية غير النفطية جميعها ستظل تعتمد على المساعدات الخارجية، وخاصة الغربية منها وبالأخص المساعدات الأميركية، ولكن لكل شيء ثمناً، فلم يعد في العالم ما يقدم مجاناً، والثمن يختلف من دولة إلى أخرى.بالنسبة إلى فلسطين، فإن المساعدات المتوقعة يجب أن تصل إلى مليار دولار كما يتوقع وزير المالية الدكتور نبيل قسيس، والذي يؤكد أن من بينها 200 مليون دولار مساعدات أميركية لفلسطين، أوقفها "الكونغرس" العام الماضي، ومن المتوقع صرفها هذا العام.ولكن السؤال: لماذا تم وقفها وكيف سنستعيدها؟ أي بمعنى آخر ما هو الثمن؟!حتى نخرج من حفرة العجز التي تتعمّق سنوياً والتي يزداد فيها الدَّيْن العام على فلسطين الذي وصل حسب الدكتور قسيس إلى 3,85 مليار دولار، منها 1,38 مليار للبنوك و1,1 مليار للدين الخارجي و970 مليون دولار لصندوق التقاعد و400 مليون دولار لمورّدي الخدمات، فلا بدّ من إجراءات تقشفية لا بديل عنها. وبلغة الأرقام، أيضاً، فإن حجم الدَّيْن على كل مواطن فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يقارب 960 دولاراً.إذن، ما هو المطلوب حتى نتمكن من مواصلة معيشتنا باتزان؟ وكيف لنا أن نصل إلى الحد الأدنى المشترك من التفاهم، خاصةً أن معطيات التقشّف كما أوردها الدكتور قسيس ستتناول التوظيف العام وزيادة الرواتب، ولكن دون المسّ بالرواتب نفسها أو بالفئات الفقيرة أو الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم؟.ولكن الذي لم يُطرح هو دور القطاعين الخاص والأهلي في إجراءات التقشف هذه، ودعمهما الموازنة بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة أن هذين القطاعين هما أكثر من استفاد حالياً خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة.. وهناك على سبيل المثال، رجال أعمال استثمروا عشرات ملايين الدولارات وحققوا أرباحاً بمئات الملايين، رغم أن ما قدموه من خدمات ومساعدات هو نسبة ضئيلة مقارنة بما جنوه من أرباح. بل إن شركات ومؤسسات بيعت بأبخس الأثمان، وهي اليوم بأسعار السوق تساوي أكثر من 1000% من الأسعار الرسمية عدا الأرباح، فماذا، مثلاً، لو تعهّد القطاع الخاص بتحمّل قليل من العبء من قبيل التوظيف، خاصةً أن ثورة الخرّيجين والمتعطّلين عن العمل قادمة لا محالة إذا ظلّت الأوضاع تسير بالاتجاه نفسه، وسيكون القطاع الخاص هو الخاسر الأكبر.وهذا ينطبق، أيضاً، على القطاع الأهلي المموّل من الخارج، وربما تصل نسبة التمويل إلى 99%، علماً أن هذه المساعدات تسجل على الشعب الفلسطيني كاملاً.. وربما أنا شخصياً أو أنت تُحسب علينا سنوياً مئات الدولارات كحصة من المساعدات للقطاع الأهلي، دون معرفة كيفية الصرف وطبيعة المشاريع، ومدى الاستفادة الحقيقية منها، وهل تصب في خانة التنمية، أم هي أموال مهدورة بشكل أو بآخر بين جيوب الخبراء الأجانب والخبراء المحليين والمدربين وورش العمل والطعام والشراب... .شدّ الأحزمة مطلوب، ولكن من الجميع، دون استثناء القطاعات العامة والخاصة والأهلية، من المواطن القادر أساساً، وبدرجة أقل، من المواطن متوسط الدخل، دون المساس بمحدودي الدخل الذين أصبحوا يمثلون غالبية الشعب الفلسطيني.شدّ الأحزمة يعني التخلّي تدريجياً عن مفهوم الاستهلاك دون الإنتاج، وهذا المفهوم سياسة احتلالية أغرقتنا حتى الرأس. كيف ننتج ونستغل كل الإمكانيات في محيطنا للمساعدة في هذا الاتجاه، ولتخفيف مظاهر المدنية التي سجنت كثيراً منا في قفص القروض والديون.المطلوب أن نستهلك أقل، أن ننتج أكثر، أن نتعاون جميعاً، أن يدفع الثمن المعتدون، دون ذلك سنصل إلى مرحلة الغرق الجماعي وعندها لن يربح أصحاب الملايين ولن تظل المؤسسات الأهلية على حالها اليوم.. وربما سنعضّ الأصابع على ما لم نقم به في الوقت المناسب ؟! abnajjarbzu@gamail.com