خبر : دور البطولة الفردية : سامر العيساوي ورفاقه الآخرون ...حسين حجازي

السبت 09 فبراير 2013 09:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT
دور البطولة الفردية : سامر العيساوي ورفاقه الآخرون ...حسين حجازي



يسلم لنا العدو، من الناحية النظرية بأن لنا هدفاً مشروعاً نصبو اليه، وهو الحق في التحرر والاستقلال واقامة دولة خاصة بنا. ومن الناحية التاريخية بل الفلسفية وحتى الاستراتيجية، فإن هذا التطور او التسليم النظري يمثل تحولاً، قياساً بموقف غولدا مائير على سبيل التذكير، التي انكرت وجودنا كشعب بالمطلق. وفيما بعد اعتبار الهيئة التمثيلية التي تؤطر كفاحنا الوطني ونحن كمجرد ارهابيين ومخربين. ان تغيراً ما حقيقياً قد حدث، بل ان الاسرائيليين خضعوا اخيراً، للجلوس معنا والتفاوض على حل ينهي النزاع، وان يعقدوا معنا اتفاقاً في اوسلو، مع منظمتنا الام التي اسمها منظمة التحرير الفلسطينية، بما يتجاوز في الشكل والصياغة، حتى صلح الحديبية، حين انكرت قريش على الرسول في ديباجة الاتفاقية صفته الرسالية كرسول مبعوث من الله، ولم تنكر اسرائيل علينا صفتنا الرسالية في التحرير، باعتبارنا حركة تحرر وطني، على رؤوس الاشهاد.لكن اتفاقية اوسلو، لم تكن سوى مناورة بارعة، اضطر كلانا لعقدها. وسوف نلحظ عند هذا الحد ان ما بدا تسليماً بالهدف الفلسطيني، لم يكن الا من قبيل التسليم الافتراضي من جانب اسرائيل، التي اقرت بشرعية الهدف ولكنها انكرت حق الفلسطينيين بامتلاك الوسيلة التي هي المقاومة. مصافحة القادة، ومن الجهة الاخرى انكار الجنود والمناضلين، واعتبارهم مجرد مجرمين، وليسوا مقاتلين من اجل الحرية، الذين صنعوا هذا التحول، وجعلوا الحوار او التفاوض ممكناً لحل النزاع. انكارهم حتى الموت في اقبية السجون، وكان هذا مساً بالعنصر الاول من القاعدة التي وضعناها كموجه لإستراتيجيتنا: تحرير الارض والانسان.لم نحرر الارض، ولم نحرر الانسان، نهم الاستيطان يهدد ما تبقى لنا من ارض. تسابق اسرائيل الزمن، علّها تنجح في الضفة الغربية، فيما تمكنت من تحقيقه في العام 1948، على الجزء الاكبر من ارض فلسطين، ولكن فقط قصة الألم الفلسطيني، مع الانسان، الانسان بوصفه اثمن رأس مال ويتفوق في الاهمية حتى على الارض نفسها. الانسان الفلسطيني الذي هو لاجئ في مخيم اليرموك اليوم ومخيمات لبنان بالامس، او معتقل منذ ربع قرن، او ثلاثين عاماً في سجون الاحتلال الاسرائيلي، والمضرب عن الطعام منذ مائتي يوم، سامر العيساوي ورفاقه. قصة آلامنا المبرحة الطويلة التي لا تنتهي، مع العذاب اليومي لهذا الانسان الفلسطيني هي التي تستثير الدماء في الرؤوس، وتطرح علينا سؤالاً يومياً كل صباح، مع نشرات الاخبار: كيف علينا ان ننهي هذا الكابوس؟ ما الذي بقي في جسد سامر العيساوي، لكي يكون الاحتفاظ بحطام الجسد، اكثر اهمية في نظر الجلاد، اي الاحتلال، من اطلاق سراحه؟ لماذا يكون المحتلون الجلادون قساة الى هذا الحد في الغباء، وحتى العبث بالمرضى بنزعة سادية، والتلذذ بعذاب ضحاياهم، هكذا حتى أمام الملأ، كنزعة لا علاج لها؟ لكن هذا الصراع بين القوة الناعمة لسامر العيساوي ورفاقه، بصيامهم العظيم، صيام غاندي، في ذبول الجسد، حيث تعانق الروح المطلق او قبة السماء، الفكرة المطلقة باعتبارها الجمال. في مواجهة القوة الصلبة، فإن التاريخ يعلمنا انه في كل مرة تواجهت فيه هاتان القوتان، القوة الناعمة والقوة الصلبة، كانت الغلبة للقوة الناعمة، باعتبارها جماع القوة للشعب، التي تختزل مجموع القدرات الكامنة في الروح الباطنية كما الخبرات والمنجزات والتصورات التي يكونها عن نفسه عبر التاريخ. هنا على هذا المحور، الجبهة انما يتقدم ابطال فرادى من بين صفوف الشعب ميدان المبارزة، تماماً كما كان يحدث في الحروب القديمة. البطل آخيل الإغريقي مقابل طروادة، داوود مقابل جوليات، وعلي كرم الله وجهه مقابل قبائل الاعراب، وحيث اليوم لا فتى الا علي ولا سيف الا ذو الفقار.والواقع اينما حلت في التاريخ البطولات الفردية كبديل عن الدفق الجماعي الثوري، كخفقان عظيم، فإن هذه البطولات الفردية، انما هي المؤشر على الارهاص القادم الذي يعتمل في الروح الجماعية كبركان محبوس، ويكون ذلك بمثابة التسريع باختمار الظرف الثوري. حينما تصبح هذه البطولات بمثابة البرق الذي يرسل اشاراته الكهرومغناطيسية الى الروح الجماعية للشعب. واذا ما قدر لهذه البطولات الانتهاء الى مأساة، بتحول هؤلاء الابطال الى شهداء قديسين، وقد حملوا على ظهورهم صلبانهم مفتدين الشعب، فعندئذ ينشأ وضع جديد، بانضمام صفوف جديدة سيراً على خطى هؤلاء القديسين الابطال. ان المراحل الانتقالية او الفاصلة بين وضع ثوري متصاعد، توتر مرتفع الايقاع وعنيف، ومرحلة تعقب هذا التوتر الصاخب، تتسم بالفتور او التراجع، او الانخفاض في منسوب هذا التوتر الجماعي، انما هي المرحلة التي تشهد هذا الظهور في بروز البطولة الفردية، كنوع ايضاً من تحايل التاريخ، او منطق النزاع نفسه في املاء الفراغ، او حتى الاحتجاج الصامت على تخاذل الاطر او الهيئات التمثيلية كما الفصائل والاحزاب عن القيام بدورها الصحيح او المطلوب. وان قدرة شعب او امة على اجتراح هذه البطولات عند هذه اللحظة الفاصلة، انما هو المحك الحقيقي لجماع جدارة وعنفوان وصلابة بل وعظمة هذا الشعب.تحية لهم، لسامر العيساوي ورفاقه المناضلين المضربين عن الطعام الذين يعلموننا، يعلمون الشعب جدارة هذه البطولة عند هذا المنعطف. ويلقون بهذا الدرس على مسمع من العالم والتاريخ، لكي يحققوا الرسالة، وهم حاملون بذرة المستقبل التي تطيح بثمرة الفساد الذي هو الاحتلال، افسد الفساد. فالحق اقول لكم اذا لم تلق هذه البذرة في الارض وتموت لن تخصب الارض، الفكرة. وهذه هي اخيراً قوام الفكرة: كان ابداعنا طوال العقود الستة الماضية هو عدم الخوف من التجربة كما عبقرية وابداع الوسيلة، الوسيلة التي انكرها طوال الوقت عدونا. اللهم اهد محمدا الوسيلة. مزيج من بطولة النخبة، العصبة القليلة العدد في الكرامة، كما في حصار بيروت مقابل جيش الفيلة، الاكثر تفوقاً في الكمية والنوعية. الدفق العظيم لبطولة شعب بجماع اجياله في الانتفاضة الاولى 1987، بطولة وكرامة الفلسطينيين كما قال رابين. وحروب الفصائل البطولة فرادى وجماعات في الانتفاضة الثانية. الى حربي غزة الاخيرتين، السيف مقابل السيف. ودبلوماسية ناعمة طوال الوقت وصولاً الى بلوغ الاعتراف الاممي بالدولة وبانتظار باراك اوباما في آذار القادم. الارهاب الدبلوماسي كما سماه ليبرمان الغارب والمقاومة الشعبية السلمية، كشعب استطاع ان يعلم نفسه بنفسه.