في تونس تم في الأسبوع المنصرم إغتيال المناضل شكري بلعيد، منسق حزب الوطنيين الديمقراطييين إثناء مغادرته منزلة صباحاً.. وفي نفس الأسبوع، جرى في مصر تصفية محمد الجندي، الناشط في التيار الشعبي في أقبية وزارة الداخلية، وجرى أيضاً، سحل وتعرية وضرب مواطن مصري بسيط يدعى حمادة صابر في الشارع من قبل عناصر من الداخلية. وكأن الثورة في تونس ومصر لم تكن! في تونس، أدان حزب النهضة الحاكم الجريمة البشعة، وتوعد منفذيها بأقصى العقاب.. في حين حملت المعارضة، حكومة "النهضة" المسؤولية. بلعيد كان قد تحدث قبل إغتياله بيومين عن مخطط للتصفيات محملاً "النهضة" المسئولية بسبب رعايتها للجان الشعبية لحماية الثورة التي قامت بالإعتداء على مقار حزبة وأحزاب المعارضة الأخرى، وبسبب سياساتها التي "تكفر" المختلفين معها فكرياً في المساجد. في مصر أيضاً، أدان حزب الحرية والعدالة جريمة قتل الجندي في أقبية التعذيب وجريمة "سحل وتعذيب وتعرية" صابر من قبل عناصر "أمنية غير منضبطة"، مشيراً الى انها مجرد حوادث من أفراد وليست نهجاً تتبعه الشرطة التي حظيت بدعم الرئيس مرسي لسياساتها. المعارضة من جانبها، حملت حزب الحرية والعدالة المسئولية، لأنه وبالرغم من إستلامه للحكم، لم يقم بإعادة بناء وزارة الداخلية على أسس جديدة كما أرادت "الثورة" ولأن الرئيس مرسي قد أمرها بفرض الأمن بالقوة، وهو ما أدى الى قيام الشرطة بقتل العشرات في السويس وبورسعيد قبل أسبوعين.. ولأن الحرية والعدالة أيضاً، مثل النهضة في تونس، يقوم بتكفير خصومة السياسيين وينعتهم "بأعداء المشروع الإسلامي".. وهو ما يعني في ثقافتنا إصدار رخصة بقتلهم. لا نعتقد بأن "الإخوان" في البلدين قد وصلوا الى مرحلة تستدعي تصفية خصومهما جسدياً بشكل مباشر.. بمعنى لا نعتقد ان هنالك قرار في مجلس شورى الإخوان للقيام بذلك حتى الآن، لكننا نعتقد بأن سياسة الإخوان في البلدين قد هيأت المناخ لقوى النظام القديم بالعودة لممارسة القتل. لماذا؟ أولا، في كلا البلدين يتصارع الإخوان مع قوى المعارضة التقليدية (المعارضة القانونية التي كانت ممثلة في برلماني بن علي ومبارك) على التحالف مع بقايا الأنطمة القديمة ممثلا في أجهزتهم القمعية وكبار بيروقراطية الدولة ونخبهم الإقتصادية. والدلائل على ذلك كثيرة منها أن قتلة الثوار في ثورتي تونس ومصر لم تجري محاكمات لهم بذريعة عدم وجود أدلة، وفي المرات التي حوكم فيها بعض الأفراد من الشرطة، جرى تبرئتهم.. ومنها أيضاً، أن هياكل وزارتي الداخلية بما فيها الشرطة وأجهزة المباحث لم يطرأ عليهما تغيير حقيقي، وإلا ما معنى أن تقوم الشرطة مثلا في مصر بقتل اكثر من أربعين شخصا في يوم واحد في السويس وبورسعيد، وان تستمر اعمال التعذيب في مراكز الشرطة والسحل والتعرية للناس في الشوارع.. أو أن يترك البوليس التونسي روابط حماية الثورة، القوة الضاربة لحركة النهضة، لتقوم بمهمة الإعتداء على مقرات الأحزاب وتدميرها والاعتداء على معارضي النهضة بالضرب والقتل أحيانا. وما معنى إعطاء الضبطية القضائية للشرطة العسكرية في مصر إن لم يكن هنالك تحالف بين اجهزة النظام القديم والإخوان.. وفوق ذلك، تخرج قيادات من الإخوان لتبرير ما تقوم به الشرطة من تنكيل بالناس. هنالك تحالف مع النظم القديمة، يمكن الأخيرة من الإستمرار بممارسة سياستها القمعية في ظل "شرعية" جديدة، وإلا ما معنى بقاء وزراء الداخلية في مواقعهم بعد هذه المذابح. ثانياً، لم يعمل الإخوان على تغير أي من سياسات النظم الإجتماعية والإقتصادية.. وكأن شيئا لم يتغير.. الفقراء المهمشون زادوا فقراً وتهميشاً.. ورجال الاعمال الذين تمتعوا بالحظوة في ظل نظامي بن علي ومبارك، يتمتعون بالحظوة الآن في ظل حكومتي "النهضة" و"الحرية والعدالة".. أو ليس ذلك مؤشراً قوياً على تحالف الفئات الإجتماعية التي كانت تحمل النظم القديمة، وإنتقالها لتحمل النظم الجديدة. هنالك ضيق أفق لدى الإخوان.. إنهم لا يرون في سياسات الخصصة ورفع الأسعار والإعتماد على القروض الخارجية إنحيازاً لفئة إجتماعية على حساب الأغلبية الساحقة من الناس، بل يرونها طريقاً للتنمية. لكن هذه السياسات المنحازة لفئة إجتماعية بعينها، تضرب بعرض الحائط المطلب الأهم للجماهير التي إنتفضت في تونس ومصر، وهي العدالة الإجتماعية. قد يكون لدى الإخوان مشكلة فكرية مع مسألة العدالة الاجتماعية... لكن بالنسبة للغالبية العظمى من الشعبين التونسي والمصري، الدفاع عن الحق بالحياة الكريمة ليس مسألة قابلة لثرثرات المفكرين. هذا الإنحياز لكبار التجار والأغنياء، بمعنى الإنحياز لنفس الفئات الإجتماعية التي ساندت النظم القديمة، يمكن هؤلاء من العمل المباشر، بما فيه القتل، للمعارضين الأكثر جذرية لهم، والذين يستهدفون مصالحهم الإقتصادية. ثالثا، من أجل الحفاظ على أغلبية إنتخابية مريحة لهم، يقوم الإخوان بتقسيم المجتمع عموديا بين "كفار" و "مسلمين".. سنة وشيعة.. مسلمون ومسيحيون.. وفي ثقافتنا فإن حد الكفر هو القتل.. الحقيقة أن الدعوات للقتل من هذا الباب لا يمكن حصرها في مواقع التواصل الإجتماعي، وتصدر في أحيان كثير أيضا من منابر المساجد.. بل إن الإخوان لم يتورعوا عن التحالف مع السلفيين الذين وقفوا ضد الثورة في مصر، والذين ويمارسون القمع الفكري والجسدي في تونس من أجل مواجهة خصومهم. الإخوان قد لا يكونوا شاركوا مباشرة في قتل المناضل بلعيد في تونس.. وقد لا يكونوا قد شاركوا مباشرة في قتل محمد الجندي في أقبية التعذيب أو في سحل وتعرية حمادة صابر في مصر.. لكن سياساتهم مكنت قوى النظام القديم من إستعادة الجرأة على القتل بإسم ضبط الأمن وحماية الشرعية.. وذلك كله في ظل غطاء "شرعي" لممارساتهم من قبل الإخوان وحلفائهم من السلفيين.