خبر : "الربيع العربي": غيوم ثقيلة سوداء ...بقلم : أشرف العجرمي

الأربعاء 06 فبراير 2013 09:24 ص / بتوقيت القدس +2GMT
"الربيع العربي": غيوم ثقيلة سوداء ...بقلم : أشرف العجرمي



لا يوجد خلاف حول سوء الأنظمة العربية الزائلة والتي على الطريق التي احتجت الجماهير وثارت ضدها، ليس فقط بسبب المستوى الكبير من قمع حريات المواطنين وحكم الناس بالحديد والنار، وافتقار المواطنين للديمقراطية بكل معانيها إلى درجة تحويل الجمهوريات إلى أنظمة وراثية، بل كذلك لأسباب جوهرية تتعلق بالفساد الإداري والمالي وتدمير اقتصاديات البلدان العربية المعنية وإفقار الناس إلى حد الفاقة، وخلق هوة واسعة بين الطبقات الغنية والفقيرة وتدمير الطبقات الوسطى التي قادت الثورات في هذه البلدان. ولكن على ما يبدو لم تكن نتائج الثورات العربية بهذه الايجابية التي توقعها الناس الذي أملوا أن تتغير أوضاعهم سريعاً نحو الأفضل. فلم تستقر الأمور لا في تونس ولا ليبيا ولا مصر، ناهيكم عن سورية التي لا تزال تنزف ولا أحد يمكنه أن يتوقع متى ينتهي هذا النزيف الدموي الذي يجبي أرواح عشرات الآلاف من المواطنين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم رغبوا في حياة كريمة في ظروف معقولة. المشكلة الرئيسة في بلدان "الربيع العربي" وخاصة تونس و مصر أنها عاشت حالة من عدم الاستقرار حتى بعد إجراء الانتخابات التي أفضت إلى فوز التيارات الدينية التي لا تملك الخبرة والقدرة على إدارة أمور البلاد. فرغم أن الحركات الدينية تملك قدرة عالية على التنظيم والتأطير والنشاط وسط الجماهير واستقطابها نحو شعاراتها التي تبدو وكأنها قادرة على حل كل المشاكل، إلا أن هذه الحركات اصطدمت بواقع مرير ومعقد أصعب بكثير من أن تحل مشكلاته بالأمنيات، أو بالقدرات النظرية. وبدلاً من أن تحاول التعامل مع هذا الواقع المأزوم عبر الاستفادة من طاقات المجتمع وخبراته من خلال شراكة مع أوسع الفئات الشعبية والقوى التي تمثل هذه الفئات، عمدت إلى محاولة تكريس سلطة الحزب الواحد وتعيد إنتاج الأنظمة البائدة بشكل جديد من خلال الانتخابات وفرض الأمر الواقع بصورة أحادية غير مقبولة من قطاعات واسعة من المواطنين والأحزاب السياسية. في ليبيا يختلف الواقع نسبياً ولكن لهذا البلد مشكلاته الخاصة التي تتعلق أصلاً بوجود جماعات كثيرة مسلحة تحاول أخذ حصتها من كعكة السلطة وتحاول تهديد وحدة البلاد واستقرارها، وربما يكون الوضع أفضل فيما لو نجحت السلطة المركزية في إقرار دستور عصري وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية ، وفي فرض النظام والأمن وحل كل المليشيات المسلحة التي لها أجندات لا علاقة لها بمصالح الشعب العامة، و إلى أن يحدث ذلك ستبقى البلاد ترزح تحت حالة من عدم الاستقرار.ولكن مشكلات تونس ومصر وحتى ليبيا ليست بمستوى حمام الدم المستمر في سورية. هناك يبدو وكأن كل الكون يصفي حساباته على حساب الدم السوري.و المعارضة انتقلت سريعاً من المظاهرات الشعبية السلمية التي تنادي بالحرية والتخلص من نظام دكتاتوري فيه صبغة طائفية مقيتة إلى معارضة مسلحة مدعومة من قوى خارجية بالمال والسلاح والمقاتلين لتختلط فيها الأجندات والمشاريع، تلتقي حول هدف إسقاط النظام وقسم منها يريد تدمير البلاد قبل إسقاط النظام عملاً بأجندات أجنبية لا علاقة لها بمصالح الشعب السوري، ولكنها لا تتفق بالضرورة حول طبيعة النظام القادم لأنها قوى مختلفة من حيث البرامج والإيديولوجيات، والنظام بدوره لا يبخل باستخدام أقصى القوة في سبيل البقاء ومقاومة السقوط حتى لو اضطر إلى تطبيق سياسة الأرض المحروقة التي لا تبقي ولا تذر.ومن المؤكد أن الذين راهنوا على سقوط سريع للنظام تحت ضربات المعارضة المسلحة قد خاب أملهم، فالوضع في سورية ليس سهلاً فالنظام يحظى بدعم قوى إقليمية ودولية تمده بالسلاح والخبرات وتمنحه غطاءً سياسياً لا بأس به يمنع اتخاذ قرارات دولية قاطعة وحازمة ضده. ولم تستطع الحرب الشرسة التي تخوضها قوى المعارضة وحلفاؤها أن تصل إلى شق الجيش السوري أو قوات النخبة فما يزال هذا الجيش متماسكاً ولم تحدث فيه انهيارات جدية، وهذا يطيل عمر النظام ويجعله يصمد ويقاوم أكثر مما توقعت المعارضة، وبالتالي أصبحت الحرب على النظام غير مقدرة بزمن أي يمكن أن تطول لشهور طويلة أو ربما لسنوات. وهذا قد يكون السبب الذي جعل بعض الشخصيات المعارضة تفكر في حل سياسي للأزمة وعدم الاعتماد فقط على الحل العسكري، على غرار ما طرحه الشيخ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري المعارض الذي دعا إلى محاورة النظام والتوصل إلى حل سياسي وهو ما أثار حفيظة بعض المتشددين من المعارضين الذين لا يقبلون أي حوار سياسي مع النظام لأن هذا من وجهة نظرهم يمنح النظام الشرعية ويطيل عمره وهم يريدون إسقاطه بأقصى سرعة. وبين الفرق المحاربة التي يرتزق بعضها من الحرب و أجندات دول الإقليم والأطراف الدولية المتصارعة والتي تبحث عن مغانم وبعضها يفكر فقط باستكمال مخطط تفتيت الدول العربية المركزية بعد العراق التي أخرجت من معادلة القوة العربية ، وبعد مصر التي أصبحت مشغولة بهمومها وحالة عدم الاستقرار التي تعيشها، جاء دور سوريا التي يعلم الله ماذا سيكون مصيرها، وبين صراع النظام من أجل البقاء يجري تدمير سوريا و وقتل وتشريد قسم من مواطنيها وجعلها خارج إطار الحسابات العربية ولا تعدو أكثر من دولة تحتاج إلى المانحين لتخريبها ثم امتلاكها ثم إعمارها على طريقة العراق الشقيق.وحدها إسرائيل التي تفرك يديها جذلاً بما يحدث وهذا بخلاف التصريحات التي تعبر عن القلق من "القاعدة" و"حزب الله"، فإسرائيل المستفيد الأكبر من حالة الضعف والتفتيت التي تمر بها الدول العربية المركزية باستثناء السعودية التي يعلم الله ما يخبئ لها القدر أو المخططون، وبعد إسرائيل هناك دول إقليمية مثل تركيا وإيران يمكنهما الاستفادة من ذلك على الرغم من أن سقوط النظام السوري خسارة كبيرة لإيران، وتبقى الغيوم السوداء تغطي سماء دول الربيع حتى تتعافى وتنتج أنظمة تلبي طموح ومصالح شعوبها. وهذا على ما يبدو يحتاج لوقت طويل ومعاناة أكبر وأشد.