خبر : المسحول والمسؤول ..امجد عرار

الأربعاء 06 فبراير 2013 09:18 ص / بتوقيت القدس +2GMT
المسحول والمسؤول ..امجد عرار



ثمة ثلاثة احتمالات تتعلّق بقصة المواطن المصري حمادة صابر الذي أصبحت مشاهد سحله مجرّداً من ملابسه أمام قصر الاتحادية الشغل الشاغل للشعوب العربية، ومن ينتبه لها من شعوب العالم . لكن نفيه أن يكون أفراد من الشرطة هم من سحلوه بل متظاهرون، قبل أن يتراجع عن النفي وإعادة تأكيده على رواية الفيديو، ظهر بما يشبه المشهد الدرامي الأكثر فضائحية من التعرية التي تعرّض لها .  كان مفاجئاً تلاعب الرجل الضحيّة بالمسؤولية عن سحله وتبرئة أناس أهانوه وحطّوا من كرامته . كان يمكن تفهّم موقفه لو أنه ألصق الجريمة بأفراد لا يمثّلون جهازاً أو جماعة أو دولة، أما أن يتجاهل ما شاهده الملايين، فهذا ما أثار الكثير من التساؤلات، مع أننا يجب ألا نغفل الظروف الاستثنائية التي ربما يواجهها ولا نعلمها، حتى لا نحوّله من ضحية إلى مدان .  وفي ضوء ما حدث، ليس هناك سوى احتمالات ثلاثة لخروج حمادة صابر  على الفضائيات لينفي مسؤولية أفراد الشرطة عما جرى له، وقبل إقراره بالواقعة أمام النيابة، فإما أن تكون جهات متنفّذة وضعته تحت الترهيب، أو أنه تعرّض للترغيب أو ما يشبه المساومة، أو أن يكون الشريط مفبركاً وهذا يفتح ملف الحروب الإعلامية وجنرالاتها في غير مكان وزمان في هذا العالم .  مشكلة نظام الإخوان المسلمين في مصر أنه يدير الأزمة بالوسائل القديمة، فلم يكد موضوع المواطن المسحول ينجو من اللفلفة، حتى جاء نبأ مواطن آخر قتل تحت التعذيب في أحد أقسام الشرطة، ومرة أخرى ظهرت رواية سريعة تتحدث عن سيارة مجهولة صدمته وهربت . لو قال إن الوضع في البلاد ما زال قيد المرحلة الانتقالية السياسية والقضائية والأمنية، لكان أكثر توفيقاً وإقناعاً لقطاع واسع من الناس، بمن فيهم نخب سياسية، لكنّه يصر على استنساخ التخريجات التقليدية لأنظمة الاستبداد .  لا نعرف ما الذي ستقوله وزارة الداخلية بعد عودة الرجل إلى الرواية الأصلية التي تحمّل المسؤولية لأفراد من الشرطة . فالوزارة قلبت المشهد وأظهرت شرطتها كمعتصم العصر الجديد الذي لبى نداء استغاثة من مواطن “سحله” مثيرو الشغب وانتهكوا كرامته أثناء تدافعهم . هذه الرواية متروكة لتتالي التداعيات وللأيام وساحة التندّر والسخرية المرة على مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة براً وبحراً وجواً .  إلى أن تتضح الصورة أكثر مما هي واضحة، يجدر أن نتذكّر بأن انتفاضة يناير انطلقت، قبل ميادين مصر، من صفحة على “فيسبوك” اسمها “كلنا خالد سعيد”، ومهما قيل من تفاصيل جانبية أو جوهرية، يسجّل التاريخ أن ناشطي هذه الصفحة كانوا شرارة الحراك مستفيدين من الأجواء التي أشاعتها انتفاضة تونس في المنطقة .  النظام الجديد لم يستفد شيئاً من التجربة، بل لم يستفد حتى من المثل الشعبي عن طريقة “قلي البيض” بالزيت وليس بشيء آخر . ولا نعتقد أنه سيعتبر وزير الثقافة الذي استقال احتجاجاً على ممارسات الشرطة، بأنه من “الفلول” . ملايين المصريين الذين غمروا ميادين مصر لم تحرّكهم قيادة حزبية مؤدلجة وبرنامج نضالي مفصّل، كما حدث في ثورة أكتوبر البلشفية، ولم يتبعوا كوكبة من الضباط الأحرار، كما حصل في 23 يوليو 1952 . إنهم ببساطة خرجوا بحثاً عن كراماتهم الشخصية الممتهنة بالفساد والقمع، وانتصاراً لكرامتهم الوطنية بعدما حوّل النظام السابق مصر إلى دولة مقودة لا قائدة . فإذا تشابهت الأسباب تشابهت النتائج، ولهذا ستضطر ميادين مصر لاستضافة المنتفضين حتى تنتهي ثنائية المسحول والمسؤول .