لم تكن كلمة ثورة شائعة في أدبيات القرن التاسع عشر، لهذا أطلق على حركة أحمد عرابي في نهاية ذلك القرن اسم “الهُوجة” وهو مشتق من الهياج الشعبي الذي عبر بحراكه عن استحقاقات سياسية ووطنية، وربما كانت كلمة فتنة هي البديل الذي استخدم تاريخياً للتعبير عن حالات الاضطراب تحت مختلف الأسماء والذرائع، لكن الهوجات لم تنته عند نهاية ذلك القرن . كما أن الثورات بمعناها الدقيق لم تبدأ مع الثورة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر، ولا ندري ما هو الاسم الدقيق الذي يمكن إطلاقه على الماغناكرتا البريطانية قبل كل هذه الهوجات والثورات بقرون؟ ولنعترف أولاً بأنه لا يحق لأية مجموعات بشرية أن تقترف جرائم ثم تبررها تحت شعار أو مظلة سياسية، لأن المسألة عندئذ تصبح أشبه بقتل البشر من أجل إنقاذهم، ولعل الحكاية الشهيرة عن الحرب الفيتنامية والتي كان طرفاها ضابطاً ومجنداً تصلح أمثولة في هذا السياق، فقد أجاب الضابط المجند الذي سأله عن أسباب إبادة قرية بكامل سكانها وأحيائها أنه فعل ذلك من أجل إنقاذهم . وعدد الضحايا من البشر باسم الحرية لا يستهان به، وقد ينافسه عدد ضحايا آخرين باسم الثورات والهوجات والانقلابات، لهذا لابد من فَضّ الاشتباك بين حِراك وآخر وبين ما تنتجه الحرية وما يقترف باسمها ومن أجلها، لكن هذا التصنيف رغم منطقيته ومبرراته الإنسانية على سبيل الاحتراز والوقاية لا يزال شبه محظور، ومن يجازفون بأية مقاربات حوله قد تفاجئهم النتائج، ليس فقط بسبب سوء الفهم، بل لأن هناك كمائن متخصصة في فقه التقويل وليس التأويل فقط، خصوصاً بعد أن شهد عصرنا أمثلة عن الذين عوقبوا بسبب النوايا أو التأويل المتعسف لما يصدر عنهم من مواقف، وثمة ما يدفعنا بقوة الآن إلى استدعاء مفهوم وتراث “الهُوجة” وكذلك الفتنة في التاريخ، بسبب هذا الاشتباك والخلط بين الثورة والفوضى وبين الانتقال والانتقام، وبين التوجه إلى المستقبل والتجمد عند اللحظة بدافع تصفية الحسابات، لأن الخاسر الأعظم من هذا الاشتباك هو الوطن والناس جميعاً على اختلاف شرائحهم . وقد نحتاج إلى قدر من الجرأة لنقول إن هناك ابتزازاً يمارس الآن ليشمل الناس والنخب معاً . فالتريث الضروري للفهم والاستيعاب يفسر على أنه صمت متواطئ، وإعمال العقل وعدم التسليم للتفكير الانفعالي يعامل على أنه برود ولا مبالاة وانحياز للأمر الواقع . . فما من ثورة في التاريخ معصومة أو من الذهب الصافي، فالهوجات لها أيضاً موجاتها، وكذلك أدبيات الفتنة واستثمار ليل الفوضى .