خبر : المصالحة الوطنية وغياب الإطار القانوني والقضائي لها!!..د. جميل جمعة سلامة

الثلاثاء 05 فبراير 2013 11:28 ص / بتوقيت القدس +2GMT
  المصالحة الوطنية وغياب الإطار القانوني والقضائي لها!!..د. جميل جمعة سلامة



لعل المسيرة الوطنية الفلسطينية اليوم وحالة الإنقسام والتشرذم التي تسودها – رغم مساحات الفخار والعز في ثناياها- تشكل اليوم العقبة الكأداء في إلتحاق فلسطين بالربيع العربي وصناعة نظام سياسي فلسطيني جديد يقوم على الشراكة الوطنية الكاملة بين مكونات شعبنا الفلسطيني كافة بعيداً عن الاقصاء والتهميش نحو برنامج وطني توافقي يكفل إنجاز الاستقلال وتوظيف كافة مقدرات شعبنا وفصائله من مقاومة وعمل سياسي وإعلامي ودبلوماسي نحو تحقيق أهدافنا المشروعة وفي مقدمتها تقرر المصير والدولة المستقلة ذات السيادة ومواجهة المشروع الصهيوني الفاشي في المنطقة.ولذلك كانت المصالحة الوطنية ولا تزال نقطة الانطلاق الوحيدة نحو إنجاز ذلك وتحقيقه واقعاً على الأرض انطلاقاً من الواجب الديني "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" والوطني حيث أن شعبنا الفلسطيني بكل فئاته يرفع اليوم الصوت عالياً في مسيراته ولقاءاته وندواته وإعلامه.. إلخ مطالباً بإنجاز المصالحة ، وبالتالي أصبح يشكل عامل إحراج وضغط على الفرقاء السياسيين للنزول عند رغبته وإرادته الواضحة، وأيضاً واجب براغماتي حيث على القوى السياسية أن تدرك أن شرعية التمثيل الحقيقي للشعب والوطن لا تكون إلا بمشاركة جميع ألوانه السياسية والاجتماعية وإن الإنسان صغير بنفسه كبير بإخوانه وأن العالم لا ينظر لأي شعب إلا من نافذة جسمه التمثيلي الكامل ولعل ذلك ما أكده رئيس الوزارء التركي أردوغان الصديق الوفي لشعبنا معقباً على نيل فلسطين عضوية دولة مراقب في الأمم المتحدة بقوله "أن العالم توحد خلف قضية فلسطين والفلسطنيون لم يتوحدوا خلف قضيتهم." بيد أن قراءة متأنية في مسيرة المصالحة منذ بداياتها حتى تاريخه داخل الوطن وخارجه مروراً بمحطات القاهرة ومكة والدوحة.. وغيرها تُظهر أن الطابع السياسي الصرف هو الغالب عليها وهذا الطابع نفسه موسوماً بالطابع البروتوكولي بعيداً عن خطة عمل مهنية متكاملة ومفصلة مما أفضى إلى النكوص والتراجع كما حدث ويحدث في كل محطة ومرحلة سابقة ولاحقة ، وفي تقديرنا فإن ذلك مرده إلى جانب فتور الإرادات الصادقة والقاطعة بطي عار صفحة الإنقسام وتداعياته المدمرة على شعبنا وقضيتنا غياب المنهج المؤسسي والفني الواضح والمحدد من خلال برنامج عمل متكامل وخطة تطبيق مرحلية وإجرائية** أستاذ جامعي متخصص في القانون والقضاء  ، alwifaq2011@hotmail.com  وزمنية شاملة بعيداً عن حالة الإرتجالية والعشوائية والاسترخائية القائمة في مسيرة المصالحة ، إلا أن استمرار غياب الإطار القانوني لهذه المسيرة منذ بداياتها كناظم لها وضامن لنجاحها يشكل أحد أبرز عوامل اخفاقها وعدم تقدمها ومراوحة مكانها، فالحالة الوطنية اليوم يمكن تشبيهها بأنها حالة مخاض لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني والبرنامج الوطني وإن قاطرة ذلك لا تمضي إلا بعجلتين : الأولى سياسية والثانية قانونية، وحيث إن الأولى قد أخذت قسطاً وافراً فيها إذ أضحت المصالحة عملية سياسوية و محاصصة بين الفصائل الفلسطينية ومن ثم إدارة الأزمة بأدوات الأزمة ذاتها، وبالتالي ينبغي رد الاعتبار للعجلة الثانية القانونية وافساح المجال أمام دورها لتساهم في تأطير مسيرة المصالحة وانجاحها باعتبارها أداة النجاح الحقيقية لمسيرات الشعوب والأنشطة السياسية في منطقتنا والعالم والتحولات العميقة فيها. و أرى أن من أهم عناصر الاطار القانوني المفقود والمطلوب في آن واحد للمصالحة الوطنية في بلادنا ما يلي:- 1- نظام دستوري جديد لمنظمة التحرير: إذ لا يمكن الحديث عن أي نظام سياسي دون مرجعية دستورية له، ومنظمة التحرير بإعتبارها تمثل النظام السياسي الأم لشعبنا في كافة أماكن تواجده مضى على ميثاقها ونظامها الأساسي عقود طويلة منذ عام 1964م حتى تاريخه مروراً بمحطة 1998م والغاء أغلب بنود الميثاق في غزة بحضور الرئيس الأمريكي كلينتون، اليوم مطلوب في ظل الدخول المرتقب لحركتي حماس والجهاد الإسلامي وقوى أخرى مرجعية دستورية جديدة جامعة للمنظمة تكون بمثابة العقد السياسي والاجتماعي الذي يلتقي عليه الكل الفلسطيني من خلال صياغة نظام دستوري جديد للمنظمة، وقد يتعذر إقراره من خلال استفتاء نظراً لتشتت الفلسطينيين ويمكن الاستعاضة عن ذلك بجمعية تأسيسية توافقية تمثيلية لكافة مكونات شعبنا في الوطن والخارج.2-  الاحتكام لمرجعية قضائية دستورية:- فلطالما افتقد الفلسطينيون لمرجعية قضائية سياسية يحتكمون إليها في الخلافات التي تنشب بينهم ، وهذا الفراغ كان طوال مسيرة منظمة التحرير الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان - مع الأسف الشديد - للاحتكام للغة الرصاص ومع قيام السلطة الوطنية استمر هذا الفراغ لحين النص في القانون الأساسي على إنشاء محكمة دستورية عليا والتي لم تجد طريقها للنور حتى تاريخه في غياب إرادة سياسية حقيقية ، لذلك لا مناص من أجل دفع مسيرة المصالحة وتحصينها هذه المرجعية القضائية على مستوى منظمة التحرير "ديوان دستوري" وعلى مستوى السلطة "محكمة دستورية أو مجلس دستوري" على حد سواء. 3-  قانون للعدالة الانتقالية:- إن الأحداث الدامية التي شهدتها بلادنا في أحداث حزيران 2007م الدامية بين مقاتلي وأنصار حركتي فتح وحماس وما قبلها تحتاج إلى تطبيق نموذج العدالة الإنتقالية الذي يعالج الانتهاكات الجسيمة لحقوق المواطنين وإعتراف مرتكبيها بها حفظ الذاكرة وجبر أضرار الضحايا المادية والمعنوية ووضع الضوابط التشريعية لعدم تكرارها، وهذا علم جديد في الساحة القانونية والحقوقية الدولية يطبق اليوم في المغرب وتونس واليمن وليبيا ودول أجنبية أخرى ونحن بحاجة لسن قانون لذلك لمعاجلة هذه الانتهاكات وغيرها في الوطن والشتات لنزع حالة الاحتقان ورد الاعتبار والتعويض لضحايا وذويهم وإعادة اللحمة لنسيجنا الاجتماعي. 4- تعديل القانون الأساسي ووضع دستور للدولة:- إن تجربة الحكم الفلسطينية في إطار السلطة الوطنية أظهرت العديد من الثغرات والفراغ في دستور السلطة المؤقت المعروف بالقانون الأساسي وتعديلاته كتنازع الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الحكومة ومحددات الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ومسألة الاستفتاء وغياب المراجعة الدستورية المسبقة للقوانين أسوةً بما عليه الحال في الدستور المصري الجديد المقر في ديسمبر 2012.... الخ ، وبالتالي فهو بحاجة اليوم إلى إعادة نظر لاستيفاء النقص ومعالجة الخلل، كما أن مرحلة ما بعد منح فلسطين صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة بحاجة إلى اعداد دستور لهذه الدولة واقراره على طريق تجسيدها واقعاً على الأرض كجزء من عناصر الاعتراف الكامل المأمول مستقبلاً.5- قانون تنظيم العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الوطينة: وهذه القضية من معوقات المصالحة والوفاق الوطني عموماً وشكلت خللاً في النظام السياسي الفلسطيني ألقى بظلاله على كل تفاصيل الأزمة فالمنظمة أصبحت تابعة للسلطة خلاف التأسيس والأصل، ولا يمكن ترك هذه العلاقة دون محددات وضوابط قانونية لها تكفل تبعية السلطة ومؤسساتها الخاصة بشئون فلسطينيي الضفة والقطاع فقط لمنظمة التحرير وهياكلها المسؤولة عن الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده في المعمورة، وهذا لا يأتي إلا من خلال قانون مفصل لتنظيم كافة أوجه العلاقة ومستوياتها السياسية والاقتصادية والإدراية يصدره المجلس الوطني الفلسطيني "البرلمان الأم لشعبنا". 6- اعداد قانون للإنتخاب والتوافق لمجلس وطني تمثيلي: لحسم الشرعية التمثيلية المتنازع عليها اليوم بين الفرقاء حيث أن المجلس الوطني الحالي المهمش وغير التمثيلي بحاجة إلى تشكيل جديد يضم تمثيل الجميع، وحيث أن الانتخابات غير ميسرة في كل مكان من تواجد شعبنا فيقتضي وضع آليات وأسس ومعايير للإنتخاب في أماكن تيسره وللتوافق في حال تعذره مع مراعاة تجمعات الفلسطينيين وأعدادهم والنسب المطلوبة لممثليهم وذلك من خلال قانون يتم التوافق عليه ويكون ملزم كمرجعية قانونية توافقية لتشكيل المجلس الوطني الجديد. 7- اصدار قانون الوفاق والمصالحة الوطنية: على أن يتضمن هيئة متخصصة بالاشراف على قضايا المصالحة كاملة بما في ذلك تصفية نتائجها وآثارها الضارة وفي مقدمتها مخرجات الانقسام وذلك بوضع الآليات لتوحيد الجسم القضائي الفلسطيني ومعالجة أحكامه وما ترتب عليها من مراكز قانونية، و جرد تشريعات الانقسام سواء الصادرة عن المجلس التشريعي أو السلطة التنفيذية بفرعيها في غزة ورام الله، ووضع الإجراءات التفصيلية الكاملة والأسس لدمج الجهازين الإداريين والأمنيين للحكومتين وبمعنى آخر دمج الحكومتين تماماً في حكومة واحدة وكذلك الحال مع السطتين التشريعية والقضائية بوجه عام، على أن يصدر هذا القانون عن المجلس التشريعي المنتخب بكتله المختلفة أو بالتوافق الوطني. إن إرادة صاقة من الأخوة الفرقاء بالإضافة إلى مكونات شعبنا الأخرى لتبني هذه العناصر مجتمعة والدفع بإتجاه تجسيدها واقعاً على الارض كفيل بأحداث تحول نوعي وعملي في مسيرة المصالحة الوطنية واختصار الجهد والوقت واختزال مساحة الاحتقان القائمة ومغادرة مربع النظرية إلى الجانب العملي وبث الأمل في صفوف أبناء شعبنا المتخم خذلاناً من نخبه السياسية التي تعمل بدفع عكسي لإرادته وخياره وشعاره الذي رفعه "الشعب يريد المصالحة وإنهاء الانقسام" ، وحتى يتحقق ذلك لشعبنا الجريح البطل ولصبره وجهاده ونضاله ألف تحية وتحية وتباً لصناديد الانقسام ومنظريه الذين سيلفظهم شعبنا عاجلاً أم أجلاً، فربيعنا الفلسطيني قادم لا محالة ربيع الوحدة الوطنية والشراكة السياسية الكاملة ، ففلسطين وطناً لجميع أبنائها مسلمين ومسيحيين ، اسلاميين ووطنيين ، وقوميين وليبراليين ويساريين، ولا وطن لنا سواها.