كلنا يتذكر كيف تدحرجت كرة الثلج، قبل نحو عامين، حتى تحولت إلى إعصار اقتلع أنظمة حكم من جذورها خلال أيام فقط، ومن بعيد كانت الأخبار التي ترد من تونس تبدو لمعظم الناس عادية جداً، إلى أن تناقلت الأنباء خبر هرب رئيس الجمهورية إلى خارج البلاد، ثم انتقلت العدوى إلى مصر وليبيا، والبحرين، واليمن، وسورية، والى أكثر من مكان بين المحيط والخليج. المظهر المتدرج للثورة الشعبية، تبدى في أمرين: الأول، هو التدرج في رفع الشعارات والمطالب، فحين خرج المواطنون في تونس في أول يوم من أيام الربيع العربي إلى الشارع، طالبوا بالخبز والحرية، وكذلك فعل أشقاؤهم المصريون، ثم ارتفعت وتيرة المطالب إلى أن وصلت إلى الشعار الناظم الصريح: الشعب يريد إسقاط النظام. والثاني هو الانتقال من بلد لآخر، فمن تونس إلى مصر، إلى ليبيا، إلى اليمن، إلى سورية، ثم تواصلت، وما زالت مظاهر الحراك الشعبي العربي تطل برأسها في غير بلد آخر، ولم يستثن في ذلك نظام ممانع أو معتدل، جمهوري، جماهيري، ملكي أو أميري. والشعب الفلسطيني، الذي يعتبر طليعة ثورة التحرر العربي على مدار العقود الماضية، لم يكن خارج دائرة هذا الحراك، لا بالتأثير، ولا بالتأثر، حيث تفاعل عشرات الألوف من الشباب العربي، عبر وسائل الاتصال والتفاعل الاجتماعي الحديثة والإلكترونية مع كل حراك شعبي عربي، وما زالت، وأعلن حراكه مبكراً في الخامس عشر من آذار عام 2010، لكن اهتمامه توزع بين شعارات إنهاء الاحتلال وإنهاء الانقسام، ورغم أنه لم يصل إلى درجة فرض الحسم في هذين الشعارين بعد، إلا أنه فرض حضوره، فقد تحركت حينها عجلة المصالحة، بما حقق إنهاء حالة التراشق الإعلامي بين الطرفين الداخليين، كما أنه أثر على الاحتلال بحدود ما، شجعت على الذهاب للأمم المتحدة، وهكذا يمكن القول إن ما حققه الفلسطينيون قبل نحو ثلاثة أشهر من انتصار خلال الحرب الثانية على غزة ومن إنجاز في الأمم المتحدة، كان يعود إلى ما فرضه الحراك الشعبي من "تقارب" داخلي. الآن، يمكن لكل من له عينان أن يرى حالة الغليان الشعبي الفلسطيني الداخلي، والتي ترفض أن يستمر الحال على ما هو عليه، لا فيما يخص الانقسام الداخلي، ولا فيما يخص بقاء الاحتلال أو الاستسلام له، فغزة قد خرجت بمعظم أهلها في بداية هذا العام متحدية الخضوع لحكم "حماس" الانقسامي فيها، وها هي قرى ومدن الضفة الغربية، تتفاعل وتنخرط في حراك حميد وعظيم ضد المظاهر الاحتلالية، خاصة تلك المتعلقة بفرض مصادرة الأرض لتعزيز الاستيطان، ويمكن اعتبار سلسلة البوابات: الشمس والكرامة، ثم الاستيلاء على الجيب العسكري الإسرائيلي في جنين، واليوم المناطير، كل هذا الحراك في وجه الاحتلال، حتى خروج الناس للشارع في نابلس وغيرها وإن كان بدافع المطلب المعيشي، وكذلك إحراق أهل غزة لمحطة الكهرباء فيها، وحتى إضرابات الموظفين ما هي إلا رفض لحالة الاستسلام والخنوع، والقبول بذلة العيش، حتى في ظل "سلطات محلية وطنية"، وعلى الأقل يحقق كل هذا حضور الشارع ومشاركته في صنع الحياة الداخلية الفلسطينية، ومع أن حالة من اللجوء الثاني يتعرض لها فلسطينيو الشتات، في العراق أولاً ثم في سورية ثانياً، نتيجة الأوضاع الداخلية العربية، إلا أنه لن يطول الوقت حتى يدرك الجميع بأن كرامة وحرية الفلسطينيين في الخارج لن تتحقق إلا في وطنهم _ فلسطين، أي أن الحراك الشعبي الذي يؤسس للثورة الثانية أو الانتفاضة الثالثة، لن يتوقف عند حدود ما كان في الماضي من تتابع في الكفاح، بحيث ينخرط الشعب الفلسطيني كله هذه المرة في أتون كفاح وطني شامل، يحقق كل أهداف وحقوق الفلسطينيين في الدولة والعودة. وإذا ما استمر الحال هكذا، من انغلاق أبواب الحل والأمل، فإن الحراك من أجل فلسطين، لن يتوقف عند حدود مشاركة الفلسطينيين في الداخل والخارج فقط، بل سينخرط فيه الشباب العربي أيضاً، والذي إذا كان الآن، في مصر وليبيا وتونس، يواصل حراكه من اجل استكمال أهداف الثورة، أو تصحيح مسارها، فإنه سيدرك بأن ثورته لن تكتمل إلا بأمرين: فتح الحدود العربية، ودخول الدول العربية في حالة من التكامل الاقتصادي، وفي شكل من أشكال الفدرالية السياسية، وفي تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني. احتمالات الانتفاضة الشعبية الفلسطينية تتضاعف، كلما تلكأ الإسرائيليون فيما يخص إطلاق المفاوضات وكلما ضيقوا ظروف الحياة على المواطنين الفلسطينيين، من نمط حجز الأموال والضرائب وما إلى ذلك، وطالما واصلت الفصائل الفلسطينية ترددها تجاه المصالحة الداخلية، تماماً حيث واجه الشباب العربي تلكؤ الأنظمة تجاه الإصلاح ومحاربة الفساد، حتى انفجرت الأوضاع واندلعت الثورات الداخلية، في هذا السياق يمكن قراءة التغير الملحوظ على الخارطة السياسية الإسرائيلية في الانتخابات والتي سرعان ما انعكست فيما أعلنه نتنياهو _ المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة _ من أن ملفي إيران والمفاوضات سيكونان أول بندين في برنامج الحكومة، وكذلك مسارعة الأوروبيين ثم الأميركيين للإعلان عن الاهتمام بالملف الفلسطيني، في محاولة لاحتواء الموقف قبل أن تندلع نار الشارع الفلسطيني وتحرق أخضر ويابس الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي. Rajab22@hotmail.com