خبر : الذين أفسدوا هواء الربيع ...علي عبيد

الإثنين 04 فبراير 2013 08:34 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الذين أفسدوا هواء الربيع ...علي عبيد



رغم أن "الربيع العربي" بدأ من تونس، وامتد إلى أكثر من بلد عربي، إلا أن مصر خطفت الأضواء من الجميع، وهو شيء طبيعي ومتوقع، حتى لدى الإخوة التونسيين أنفسهم، بحكم حجم مصر وموقعها، ودورها المحوري في قضايا الأمة العربية، قديماً وحديثاً. وهذا لا يقلل من مكانة تونس، ولا حجمها، ولا موقعها، ولا دورها المهم الذي يعرفه الجميع ويقدرونه. وإذا كانت رياح "الربيع العربي" قد جرت بما لم تشتهِ سفن الذين أنعشتهم نسماته عندما لفحت وجوههم في بداياتها، فأحيت آمالهم، قبل أن تتحطم تلك الآمال على صخرة تداعيات الربيع، وتتبخر مع الانشقاقات التي فرقت رفقاء الثورات، ومع الفوضى التي عمت الميادين، وحولتها إلى ساحات حروب، بعد أن تعلقت بها القلوب.. إذا كان كل هذا قد حدث خلال عامين من عمر "الربيع"، الذي لم يعد ربيعاً في نظر الكثيرين. فإن الخوف مما هو آتٍ أكبر من الحسرة على ما مضى، ليس الخوف على مصر فقط، وإنما الخوف على مستقبل الأمة التي تحتل مصر موقع القيادة فيها، لأن ما يحدث في بقية دول الربيع، لا يقل سوءاً عما يحدث في مصر، لكن الأضواء المسلطة عليه أقل. وبعيداً عن حصر الموضوع في مصر وحدها، نقول إن هذا الربيع الذي تفاءلنا به في بداياته، حمل ثلاثة شعارات شكلت مبررات قيامه وأسباب تفاؤل الناس به وحماسهم له.. أول هذه الشعارات هو "العيش الكريم"، الذي كان يتطلع إليه من نزلوا إلى الشوارع، وهتفوا في الميادين مرددين هذه الشعارات سعياً إلى التغيير، بعد أن أفسد الحكام الذين ثاروا عليهم الحياة في تلك البلدان، واستحوذوا على ثرواتها، ولم يتركوا لشعوبها إلا "الفتات". هذا "العيش الكريم" الذي كانت تنتظره الغالبية العظمى من الشعوب، وليست النخبة التي كانت جزءاً من مطلقي شرارة الربيع، لم يتحقق منه شيء إطلاقاً، بل تدهورت الأحوال لتصبح أسوأ مما كانت عليه قبل الربيع، ليس لأن تحقيقه خلال هذه الفترة القصيرة مستحيل، أو صعب. وهو ما يمكن أن نتفق عليه أو نختلف، وإنما لأن الذين وصلوا إلى السلطة انشغلوا بالاستحواذ عليها وتدعيم مراكزهم فيها، أكثر مما انشغلوا بأحوال المواطنين وتحسين معيشتهم والقضاء على أزماتهم، رغم أنهم كونوا رصيدهم لدى أولئك المواطنين عبر هذه الأزمات، عندما كانوا يوزعون عليهم المساعدات والأغذية والأموال وهم خارج السلطة لاستمالة قلوبهم، فلما أصبحت السلطة في أيديهم جعلوا تحسين عيش المواطن آخر همهم. أما ثاني الشعارات فهو "الحرية" التي يطالب بها الجميع وهم خارج السلطة، ثم تصبح كابوساً مخيفاً لمن يصل إلى السلطة، فيغدو كل صوت معارض أو مختلف، خائناً يعمل ضد الوطن ومصالحه العليا. وهذه آفة عربية بامتياز، تشترك فيها كل التيارات، الإسلامي منها والعلماني والليبرالي واليميني واليساري، وكل فصيل كبر حجمه أو صغر. ففي اللحظة التي يصل فيها هذا الفصيل إلى السلطة، تنفتح أبواب الجحيم على كل صوت معارض، ويصبح الرأي الآخر معوقاً لمسيرة الإصلاح وبناء قواعد الدولة الجديدة، حتى لو كانت هذه القواعد ضعيفة وهشة، لا تصلح لأن يقوم عليها بناء دولة عصرية، ذات طوائف دينية وتيارات فكرية متعددة ومختلفة. هنا لا يصبح للسلطة همٌ سوى تسفيه آراء الأصوات المعارضة ومحاولة إسكاتها، فهي متهمة بالخيانة والعمل ضد مصلحة الوطن حيناً، وبخدمة مصالحها الخاصة حيناً آخر. وبناءً على هذه القاعدة، يصبح صوت السلطة وحدها هو صوت الحق، وتصبح كل الأصوات الأخرى هي أصوات الشياطين المثيرة للفتنة. ويبقى الشعار الثالث والأخير، وهو شعار "الكرامة الإنسانية" الذي يرفعه الجميع، لكنه يسقط عند أول اختبار حقيقي، فتصبح "الكرامة الإنسانية" هي كرامة القويّ فقط، والقويّ في اختبار "الكرامة الإنسانية" ليس هو من يملك الحق، وإنما من يملك السلطة ومؤسسات الدولة وأجهزتها الشرطية والأمنية، التي لم تختلف في تعاملها مع الشعب بعد الربيع عما كانت عليه قبل الربيع، إن لم تكن قد ازدادت قسوة. ولنا في مشاهد التعرية والسحل المنتشرة على شبكة الإنترنت، خير شاهد ودليل على أن هذه الأجهزة الشرطية والأمنية، وحتى العسكرية، أصبحت أكثر عنفاً وهدراً لكرامة المواطن وانتهاكاً لإنسانيته، وأنها لم تعد تفرق بين الرجال والنساء، وأن ما كان يحدث في أقسام الشرطة وداخل أقبية السجون في العهود السابقة، أصبح يمارَس الآن علناً في الشوارع، تحت الأضواء الكاشفة، وأمام عدسات المصورين. فأي "كرامة إنسانية" بقيت لمواطني "الربيع" بعد كل هذه الممارسات والانتهاكات، التي تقوم بها أجهزة السلطات الجديدة التي تقول إنها أتت عبر صناديق انتخابات حرة ونزيهة؟ وأي أمان يشعر به المواطنون بعد حوادث الاغتصاب التي تتعرض لها النساء في وضح النهار، وسط العواصم والمدن الكبرى، دون أن تتحرك هذه الأجهزة، اللهم إلا للاستنكار، والأمر بإجراء "تحقيق عاجل وسريع" لا تظهر نتائجه أبداً، ولا يغير من الواقع شيئاً؟! "العيش والحرية والكرامة الإنسانية"، هي التي أخرجت الناس من بيوتهم، وهي التي دفعت بهم إلى الشوارع والميادين. و"العيش والحرية والكرمة الإنسانية" وحدها، هي التي ظلت قابعة في أماكنها، إن لم تكن قد تأخرت كثيراً، بعد أن أفسد الذين قطفوا زهور الربيع هواءه، قبل أن تتفتح تلك الزهور لتنشر شذاها بين من زرعها وروّاها بدمه الذي يستباح كل يوم، دافعاً وحده الثمن الأغلى في هذه الحياة.