لأول مرة في تاريخ تشكيل الحكومات في إسرائيل تسمع أصوات من نوع" لا يهمنا أن نكون في المعارضة" أو "نفضل أن نجلس في المعارضة على ألا...." فقد درجت العادة في مثل هذه الأجواء أن تكون رغبة الأحزاب الإسرائيلية مشاركة الحزب الفائز في الانتخابات كبيرة، فالأحزاب في إسرائيل تخسر كثيرا حين تكون خارج الحكومة وهذا حصل مع أحزاب عديدة تراجعت فيما حافظت كتلة شاس على قوتها في الكنيست بفضل وجودها في الحكومات المتعاقبة منذ تشكيلها العام84. ربما أن ما يصدر عن لابيد رئيس حزب "يوجد مستقبل" وهو السياسي الجديد ما يشير لطبيعة الألغام التي تنتظر الحكومة القادمة التي سيرأسها نتنياهو والتي تضع الجميع أمام مواجهة مع جزء أو كل الجمهور الإسرائيلي ويعكس حديثه بعدم استعداده للتنازل عن مطلب المساواة في عبء الخدمة والذي يصطدم مع لوبي المتدينين في إسرائيل والذين حصلوا في الانتخابات على نسبة تساوي تقريبا ما حصل عليه "يوجد مستقبل" فقد حصلت الأحزاب الدينية على ثمانية عشر مقعدا. والحديث الآخر عن عدم رغبة لابيد في تولي وزارة المالية في هذه الظروف يعكس أيضا القضية الأخرى من أزمة مالية بدأت تضغط على إسرائيل وهي الأولى من نوعها، وخوف لابيد ينبع من إدراكه أن الجزء الأكبر من المواطنين الإسرائيليين سيدفعون ثمن هذه الأزمة من جيوبهم وهذا يعيد لذهن أي وزير مالية في الحكومة القادمة تظاهرات آب 2011 في شوارع إسرائيل. تحديات أخرى كثيرة تواجه الحكومة القادمة وهذا ما يشي به فتور الأحزاب في التسابق نحو حجز مقاعدها فيها ولكن التحديات الأبرز هي أزمة قانون تال وأزمة الموازنة. فقانون تال هو القانون الذي تم إقراره في عهد حكومة باراك في تسعينات القرن الماضي ويقضي بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد وأداء الخدمة العسكرية، وأكثر من ذلك فقد تمكنت الأحزاب الدينية من سن قانون يدعم قانون الإعفاء وهو قانون العائلات كثيرة الأولاد، أي كلما زاد عدد الأولاد في الأسرة زادت المساعدات المالية من الدولة، وبهذا أصبح طلاب المعاهد الدينية منشغلين بالتعليم والإنجاب والدولة تمول ذلك، وفي هذا مس ليس فقط بالمساواة أو ابتزاز الدولة، بل على الزمن البعيد فإن ذلك تحول إلى مشكلة اقتصادية مع الزيادة الديموغرافية لتلك العائلات وزيادة عدد طلاب المعاهد يزيد عدد المعالين والذين لا يشاركون في أي نشاط اقتصادي ويعيشون كحالة طفيلية على حساب الاقتصاد الإسرائيلي، وقد تأسست الدولة ونجحت في سنواتها الأولى بفصل المفاهيم الاشتراكية التي أقيمت عليها والتي وضعت الجميع أمام استحقاق العمل، باستثناء ما سمح به غوريون بالسماح باعفاء أربعمائة طالب، فقط ولكن عندما تحول الرقم إلى آلاف كثيرة فإن ذلك وضع الدولة أمام أزمة كبيرة. من الواضح أن حزب لابيد ليس مستعدا للتنازل عن هذه المسألة حتى ولن دفع الثمن بجلوسه في المعارضة، هكذا قالت أصوات من كتلته وهو مدعوم في ذلك بالعديد من الآراء في الشارع الإسرائيلي وحتى من بعض الأحزاب الإسرائيلية، ويتوقف مستقبل حزب "يوجد مستقبل" ورئيسه على هذه المسألة باعتبارها الوعد القاطع في الدعاية الانتخابية فهذه القضية ستحدد مصداقية هذا الحزب. في مواجهة لابيد يقف الحزبان المتدينان وهما حزب شاس ويهدوت هتوراة، وبالنسبة للأخير فهو حزب غير مكلف في مشاركته الحكومية، حيث يرفض تولي منصب وزير لأسباب دينية ولكن يقبل بنائب وزير وبرئاسة لجنة برلمانية، وهو مريح بالنسبة لرئيس الحكومة، أما حزب شاس فهو حزب انتهازي لا يحتمل الحياة خارج الحكومات، حيث كان مشاركاً في جميعها باستثناء فترة قصيرة في حكومة ارئيل شارون حين حاول ابتزازه فأقال وزراء شاس، ولأن شاس تمتلك شبكة تعليمية كبيرة وهي شبكة "همعيان" وهي دفيئة التنظيم التي تضمن بقاءه ولا يمكن تمويلها إلا من خلال مشاركة شاس في الحكومات، فهل ستقدم شاس تنازلا في هذه القضية؟ في شهر تموز الماضي كانت الحكومة أمام أزمة نهاية قانون تال وكانت تنهار بسبب تناقض الموقف بداخلها حيث كان حزب "إسرائيل بيتنا" يحمل موقف ورؤية "يوجد مستقبل" تجاه القانون، بينما كانت الأحزاب الدينية تقف ضد وبقوة لأن ذلك يفقدها إحدى أهم مؤسسات التفريخ الدينية والحزبية وتم تجاوز المسألة بصعوبة. لكن الأمر ليس سهلا هذه المرة مع حكومة شاس جزء منها، ولكن من الصعب تصورها دون يائير لابيد ومن الواضح أن نتنياهو لا يرغب بتشكيل حكومة يمينية دينية كانت سببا في إسقاط حكومته وتبكير الانتخابات ورغبته بجر الجميع معه لمواجهة الأزمة المالية. أما التحدي الثاني المالي وهو تحدٍ ربما أكبر من باقي التحديات حيث بلغ عجز الموازنة في إسرائيل 39 مليار شيكل في مطلع هذا العام، وقد تدحرجت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة بينما كانت 28 مليار شيكل في شهر تموز الماضي، وقد اتخذت الحكومة عدة إجراءات تقشفية ورفعت قيمة الضريبة المضافة بهدف السيطرة على الأزمة، لكنها زادت في الأشهر الخمسة الأخيرة بمبلغ 11 مليار شيكل، وبات من الواضح أن الأمور تسير إلى انحدار يصعب السيطرة عليه، فلابيد يتهرب من وزارة المالية وقد يكتفي بوزارة الدفاع لشاؤول موفاز بعد ضم كاديما لحزبه، وهي المهمة التي يقوم حاليا بتنفيذها أيهود أولمرت الزعيم السابق لحزب كاديما. الاستقالة المفاجئة لستانلي فيشر محافظ بنك إسرائيل قبل انتهاء ولايته بعامين ربما تشير إلى حجم الأزمة المالية وإمكانية استمرار تدحرجها وصعوبة السيطرة عليها بسبب السياسة التي يتبعها بنيامين نتنياهو، وتشير بعض الأوساط في إسرائيل إلى أن فيشر استقال وهو يعرف أنه سيتلقى عرضا بأن يكون وزير المالية، وبالتالي يمكن أن يفسر لنا تحول وزارة المالية من وزارة يقاتل عليها الجميع إلى الوزارة التي يهرب منها الجميع في دولة مثل إسرائيل تبلغ موازنتها 365 مليار شيكل، يشكل رقم العجز 39 مليار رقماً مهماً من الصعب التغلب عليه. فالحكومة في اجتماعها الاول ستبحث عن توفير 15 مليار شيكل للعام 2013، وبدأ الحديث عن رفع أسعار السجائر والبنزين والضريبة وهي إجراءات اتخذت أكثر من مرة خلال العام الماضي وبات من الواضح أن إجراءات الحكومة لم تتمكن من تقليص الفجوة. هذان التحديان يبرزان على المستوى الداخلي يبدوان كحقلي ألغام أمام نتنياهو وحكومته فهل سيتمكن من السير بينهما دون انفجارات أم سيقضيان على مستقبل نتنياهو السياسي؟. Atallah.akram@hotmail.com