في الأشهر الأخيرة تعلّمنا كيفية إحصاء وعدّ الأيّام التي يمضيها عدد من الأسرى وهم مضربون عن الطعام، نبدأ باليوم الأول ثم الثاني والثالث ثم السبعين أو التسعين، ونبدأ بالمقارنة مع معتقلين في ايرلندا ودول أخرى في سجونها معتقلو حرية.وربما تعلّمنا شيئاً آخر هو إدخال مصطلحات جديدة في صراخنا المتقطع خلال "مناسبات" التضامن مع الأسرى، وخاصة أمام مكاتب الصليب الأحمر. وكأننا نمارس طقوس التنفيس الذاتي.. نجلس لساعة أو ساعتين ونغادر.. لنعود في الأسبوع المقبل. عند إضراب الأسير خضر عدنان عن الطعام لم نكتف فقط بمفهوم العدّ والإحصاء ونشر الأخبار اليومية عنه، ولكن أضفينا عليه بعداً مهماً وهي الهبّة الجماهيرية، والتضامن المكثّف والمتسارع معه، والضغط الجماهيري والرسمي الذي مورس على أطراف عديدة، أتت بثمار الإفراج عنه.بعد صفقة الأسرى الأخيرة والتي جاءت بعد مفاوضات ماراثونية برعاية مصرية، لم تؤتِ أكلها كما يرام، بل إن كثيراً ممن أفرج عنهم، وخاصة من ذوي الأحكام العالية، تم اعتقالهم مرة أخرى دون أن تلتفت سلطات الاحتلال إلى الاتفاقات الموقعة.عدد من الذين تم إعادة اعتقالهم أو الأسرى الإداريين الذين ما زالوا دون أحكام، ولكن يُمضون فترات طويلة في معتقلات الاحتلال بحجة سرية التهم الموجّهة إليهم.الأسبوع الماضي نظم في رام الله مؤتمر حاشد حضره مسؤولون وقيادات وممثلو مؤسسات وقوى وطنية وإسلامية وجمعيات أهلية وأهالي الأسرى.وكما في كل المؤتمرات أنصتنا خاشعين إلى كلمات جُلّها مكرّر، نشدّ فيها على أيدي الأسرى ونلعن الاحتلال وأساليبه ونستنكر الأحكام الجائرة وظروف الاعتقال السيئة.. ولولا خطة العمل بخطوطها العريضة التي طرحها وزير شؤون الأسرى لكان المؤتمر مثل سابقيه من المؤتمرات والتجمعات مقتصراً على علم الكلام.وأمام هذا الواقع ماذا يحتاج الأسرى منا؟ ولا أحد مُبرَّأ من المسؤولية مهما كان موقعه أو منصبه أو صفته الاعتبارية مواطناً، عاملاً، مثقفاً، مسؤولاً، قائداً، وزيراً أو زعيماً. الحاجة الأولى في مسلسل النضال لتحريك حقيقي لقضيتهم تحتاج إلى تفاعل جماهيري متواصل غير متقطع. فكيف لنا من سبيل لخلق هذا التفاعل... ليكون تأثيره واضحاً وقادراً على إحداث تغيير، وحاملاً مجموعة من الرسائل المهمة على أن تكون أولى هذه الرسائل موجهة لقادة الاحتلال الذين يجب أن يدفعوا ثمن إهدارهم لحياة آلاف من الأسرى، بمعنى آخر استغلال قوة الجماهير في الضغط على القيادة للتحرك قدماً نحو الأطر القانونية الدولية التي يمكن أن تؤثر على القادة الإسرائيليين، لإجبارهم على إعادة النظر في هذا الملف المفتوح على مصراعيه منذ عقود طويلة.تفعيل الضغط الجماهيري المكثف من خلال المسيرات والمقاومة الشعبية المتواصلة للتضامن مع الأسرى إلى حدّ الاشتباك الشعبي مع قوات الاحتلال، بما يُجبر دولة الاحتلال على النظر بجدية إلى خطورة الأوضاع وتدهورها، والذي تنعكس عليه، أيضاً، وهذا الأمر هو الذي أجبر قادة الاحتلال في كل مفاصل الحركة الأسيرة على تغيير المواقف.ونحن ما زلنا نذكّر أن إنجازات الأسرى وتحصيل حقوقهم التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني وتحسين ظروفهم الاعتقالية لن تتم إلاّ على قاعدة النضال القوي والتضحيات الغالية التي دفع فيها الأسرى دماً وشهداء.المطلوب، أيضاً، إعادة تفعيل قضية الأسرى على المستوى العربي والدولي جماهيرياً، وعدم الإبقاء على الحالة الدبلوماسية السائدة اليوم.. لماذا لا تكون هناك مسيرات وتظاهرات واعتصامات في العواصم العربية والدولية، كفعلٍ إضافيِّ ضاغط.في المجمل قضية الأسرى بحاجة إلى عمل لا قول لأن الكلمات من السهل ترتيبها وتنميتها وجعلها تدغدغ العواطف، وتنفّس الصدور الغاضبة، ولكن الأفعال والممارسات على أرض الواقع، وتكثيف العمل الشعبي الموجه ضد الاحتلال وقادته هو الوحيد الذي سيؤدي في النهاية إلى الإفراج عن الأسرى وتبييض سجون الاحتلال.ملاحظة: من العيب أن تقتصر المسيرات والاعتصامات الأسبوعية أمام مقار الصليب الأحمر على عدد محدود من أُمّهات الأسرى وأبنائهم أو ذويهم، وبعض الفعاليات.. بحيث لا يزيد عدد المعتصمين عن عشرين شخصاً.. كفى لهذا الاستهتار بقضية الأسرى الذين قدموا سنوات عمرهم الجميلة من أجل فلسطين؟!abnajjarbzu@gamail.com