بخلاف المرات السابقة، لم تبتلع سورية قصف الطائرات الإسرائيلية أهدافاً على أراضيها، وتكتفي بالصمت، وتردد العبارة التي باتت أشبه باللازمة، عن احتفاظها بحق الرد في الوقت والظرف المناسبين، حتى تحولت هذه العبارة إلى مصدر للاستهزاء والتندّر. في هذه المرة سارعت سورية إلى الإعلان عمّا حدث فجر يوم الأربعاء، في ريف دمشق على حدودها مع لبنان. وفي بيان ليس مقتضباً، بل مفصل وحمل توقيع الجيش السوري والقوات المسلحة، وجاء يا للمفاجأة، خالياً من عبارة حفظ ماء الوجه التقليدية.سرى غضب عارم في الأوساط الشعبية السورية، كما النار في الهشيم، وطرحت التساؤلات، ماذا عساه أن يكون معنى عدم الرد الآن؟ وما قيمة التحسّب كما في الماضي من النتائج المترتبة على مثل هذا الرد. وانتشرت في أوساط هذا الرأي العام ما يشبه الحمى، بضرورة القيام بهذا الرد، وتلقين إسرائيل الدرس. إذا كانوا في حماس وحزب الله، لم يفكروا بالنتائج، واستطاعوا ردع إسرائيل بالرد الفوري عليها وتلقينها الدرس. وعند هذا الحين، وللمرة الأولى، بدأت تشتم في الأجواء رائحة نذر حرب حقيقية، قد لا تقتصر على سورية وإسرائيل، وإنما تشمل الإقليم والشرق الأوسط ككل.سارعت سورية إلى تحضير المسرح السياسي، قبل القيام، بأي بادرة عسكرية، بتقديم شكوى إلى الأمم المتحدة، تشير فيها لأول مرة إلى اتفاقية الفصل بين القوات، التي أبرمتها مع إسرائيل، في العام 1974، باعتبار ما حدث يمثل خرقاً لهذه الاتفاقية، التي كان هنري كيسنجر قد توصل إلى عقدها بين الجانبين، في أعقاب حرب تشرين العام 1973. وصرح رئيس الأركان السوري بأن من حق سورية الدفاع عن نفسها، ويبدو أن إسرائيل التي قرأت المزاج السوري الغاضب هذه المرة، أخذت المخاوف المتوقعة من رد سوري محتمل، مأخذ الجد، وهكذا يبدو المشهد مع كتابة هذه السطور، يوم الجمعة، وكأن المسرح السياسي والميداني، بات مهيئاً لاندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط. إذ أعلنت إسرائيل، التعبئة في جيشها على الحدود الشمالية كما نقلت القبب الحديدية من مواجهة غزة إلى مواجهة سورية وربما حزب الله وإيران. حتى بات السؤال ليس عن حقيقة حدوث هذه الحرب، وإنما عن الوسيلة والطريقة التي ستتخذها عملية توجيه الطلقة، الضربة السورية، المنتظرة. وإن كان شكل الرد السوري سيكون أحادياً أم ثنائياً، أم ثلاثياً؟. ثمة حسابات اليوم جديدة، في الحقل السوري، ربما لا تتوافق مع الحسابات الإسرائيلية التقليدية القديمة. لم تصمت سورية منعاً للإحراج، وإذ كشفت عن الهجوم الإسرائيلي على أراضيها، فإنها تكون بذلك أرسلت رسالةً واضحةً مفادها أن ردها قد تقرر وحسم. والمسألة يمكن مقاربتها، اليوم على قاعدة "علي وعلى أعدائي" لاسيما بعد أن حصل الخراب العظيم، خراب البصرة، ولم يعد ثمة شيء يحتسب له السوريون، أو يخشونه، إذا ما كانت نتيجة الرد الإسرائيلي، على الرد السوري، إضافة بعض الدمار، إلى دمار حاصل، وتكون المقاربة عندئذ في حساب أو معادلة الربح والخسارة، صفر دمار أو خسارة. وبعد ذلك كل شيء في خانة المكاسب والربح. وتشمل هذه المرابح، مروحة واسعة لا تقتصر على خلط الأوراق، في الصراع الدائر على سورية، وإنما إعادة التأكيد على مصداقية الرواية السورية، من أن ما يحدث ليس ثورة من أجل الحرية، أو الديمقراطية، وإنما هي مؤامرة إسرائيلية أميركية، وغربية، بأيدي سورية باعتبار سورية الحلقة الذهبية، في محور المقاومة. وها هي إسرائيل التي خرجت من مخبئها، من وراء الستارة، وضربت سورية، تكشف لكل من له عين ترى، حقيقة وجوهر المسألة والصراع، بكل ما يعنيه هذا التحول من إحراج لخصوم سورية، سواء من المعارضة، أو الجامعة العربية.لكن قياساً بالخبرة السياسية، إزاء الطريقة التي يمكن أن يرد بها النظام، قد تكون هي الحلقة الرئيسة، التي يكتنفها الغموض، ولا يمكن فك لغزها الآن، أمام التحليل السياسي. فالتجارب السابقة، تدلنا على أننا لسنا أمام نظام أحمق، يتخذ قراراته تحت تأثير الانفعال أو التهور، وهذا هو برأيي المحدد الأساسي الذي يجب أخذه بعين الاعتبار، في فهم طبيعة الرد السوري. فهذا نظام بصرف النظر عن رأينا فيه، يتسم بالحنكة والذكاء. هيا إذن نحاول مقاربة هذا التقييم الافتراضي، شكل وأسلوب الرد السوري. ونفترض هنا أن السؤال المفتاح، في تقييم هذا الرد وطبيعته، وحتى توقيته، يتعلّق أساساً بالتقييم السوري لطبيعة وأهداف الهجوم الإسرائيلي، في هذا الوقت، للتدخل في الأزمة السورية، وهذا هو الجواب: تعتقد سورية أن التدخل الإسرائيلي بغطاء أميركي، إنما يهدف أساساً للتدخل في الأزمة، عند نقطة بدا فيها، أن الحسم الإستراتيجي للصراع الداخلي، الذي يخوضه النظام، ضد المجموعات المسلحة، ومن يدعهما، بدا يشهد في الشهرين الأخيرين تحولاً وازناً لصالح النظام، في مجالين حاسمين: البيئة الداخلية الميدانية للنزاع المسلح، والثاني في المجال الذي يتعلق بالبيئة السياسية الإستراتيجية المحيطة بالنزاع، وهو التحول الذي عبّر عنه ظهور الرئيس الأسد نفسه، وخطابه الذي بدا أقرب إلى الاحتفال بالنصر، أو بقرب هذا النصر الميداني والسياسي. وبالتالي، فإن التحليل السوري قد يرى في الضربة الإسرائيلية، بمثابة جر اشتباك، لأخذ السوريين، إلى حرب وقواعد اشتباك في مكان آخر لا يريدونه في هذا الوقت، يقوم بتحديدها الإسرائيليون، لا سيما أن التحليل السوري ربما يذهب إلى أنه يرى في التدخل الإسرائيلي عند هذه النقطة، بمثابة اجتذاب تدخل دولي، أو كبديل وتعويض عن هذا التدخل، في ظل الإحجام الأميركي، بعد تصريحات أوباما اللافتة، إن عهد الحروب قد ولى بالنسبة لأميركا، وإن الخيار هو للدبلوماسية والتفاوض. وهو ما ينسحب من وجهة نظر الإسرائيليين، على الموضوع الإيراني.وهكذا قد يكون للسوريين، مبرر للخوف من أي رد متهور، أو غير مدروس، يمكن الإقدام عليه، من شأنه أن يأخذهم إلى مكان آخر لا يريدونه، ويغير قواعد اللعبة الداخلية لصالح المعارضة. إذا كانت تداعيات الرد الإسرائيلي، المحتملة يمكن أن تصل إلى فرض سلاح الجو الإسرائيلي غطاءً ولو بصورة غير متفق عليها للمجموعات المسلحة، التي تقاتل ضد النظام. وهناك ما يبرر هذا الاحتمال إذا كنا سنلاحظ الآن طبيعة التمهيد، الذي سبق الضربة الإسرائيلية، في الاستهداف الذي يطرح علامات سؤال، لقواعد الدفاع الجوي السوري، بما في ذلك التركيز على مهاجمة المطارات، والرادارات، من قبل هذه المجموعات المسلحة. وهو ما يعني هنا في محصلة هذا التطور، قيام إسرائيل عملياً بفرض حظر جوي، على الطيران الحربي السوري، وبالتالي يكون ذلك مدخلاً لمساعدة المعارضة على الحسم، وإسقاط النظام. هل يقودنا هذا التحليل، إذن إلى استبعاد الرد السوري حتى وإن بدت كل العلامات تدل على حدوثه، ساحقاً وعاجلاً، كما صرح مصدر سوري رفيع ؟ والجواب كلا. وإن ما هو مستبعد شكل هذا الرد، الذي لن يكون تقليدياً على الأرجح، كما يتوقع الكثيرون. إن الرد المتوقع بحجم الأثر المعنوي الذي أحدثته الضربة الإسرائيلية، وبأثر رجعي لتصفية الحساب المؤجل مع الضربات الإسرائيلية السابقة. ضربة غير تقليدية حجمها بحجم الغليان في الشارع السوري، وباستهداف يوازي حشر جميع خصوم النظام في الزاوية. ما هي هذه الضربة، وأسلوبها وكيف؟ إن ذكاء النظام، وحنكته إنما تكمنان في هذه الحيرة. هذا الجيش الذي يمكن أن يحير الخبراء الإستراتيجيين. وقديماً قال كميل شمعون، الثعلب السياسي الماروني اللبناني، إن المرء يحتاج إلى منجم مغربي لفهم السياسة السورية وما يدور في رأس الأسد الكبير. واليوم قد يبدو هذا الشبل من ذاك الأسد.