خبر : الإسلاميون والربيع العربي وفلسطين:آمال وطموحات معلقة..د. أحمد يوسف

الخميس 31 يناير 2013 02:32 م / بتوقيت القدس +2GMT
الإسلاميون والربيع العربي وفلسطين:آمال وطموحات معلقة..د. أحمد يوسف



عندما بدأت ثورات الربيع العربي قبل عامين، ونجحت في إحداث تغييرات جذرية داخل النظام السياسي في كل من تونس ومصر وليبيا، فقد أعطت مؤشرات قوية لفاعلية "نظرية الدومينو – Domino Theory"، والتي ترتكز إلى فكرة تساقط الأنظمة وانهيارها تباعاً في "الدول الرخوة Soft State -" على خلفية الفشل والظلم والدكتاتورية والاستبداد، وهي نظرية آخذة في التحقق بمنطقتنا العربية، وهذا معناه أن عملية التغيير والإصلاح والتجديد الذي تتطلع له جماهير أمتنا أضحت مسألة وقت. ومع الحماسة التي أظهرتها الشعوب في تطلعاتها وتضحياتها واستعداداتها لدفع أثمان الحرية والكرامة والعزة الوطنية، ارتفع منسوب الأمل لدى الفلسطينيين بأن مخرجات ما يتشكل من واقعٍ جديد سوف تصب لصالحهم، وأن الحالة الفلسطينية التي كانت رهينة لأنظمة ذليلة تدور في الفلك الأمريكي، وعاجزة – بسبب تبعيتها - عن التصدي والرد على الغطرسة الإسرائيلية، هي اليوم غيرها بالأمس، وأن بإمكانها الاعتماد على الشارع العربي الثائر، والذي لم تخلُ شعاراته ومواقفه من عبارات إظهار النُصرة للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. بالطبع، تحركت مشاعر الفلسطينيين وتعلقت قلوبهم بكل ما هو آت من نسائم الربيع العربي؛ باعتبار أن كل ما هو آت قريب.. ومع التمكين الذي حدث بوصول الإسلاميين – عبر الانتخابات – إلى قمة هرم السلطة في بلدان الربيع العربي زاد تعلق الفلسطينيين بعمقهم العربي والإسلامي وتعاظمت لديهم الآمال. إن هذا الواقع الجديد جعل بعض الإسلاميين يهمس بالقول: لماذا التعجيل بالمصالحة؟ أليس من الأفضل الانتظار؟!! إن مصر اليوم بنظامها الجديد - الإسلامي التوجه – هي الحليف الذي سيمنحنا الدعم والقوة والتمكين، باعتبار أننا خرجنا من صلب حركة الإخوان المسلمين، والتي هي اليوم تعتلي كرسي العرش، وأعلامها تملأ بلاط السلطان، وأرصدتها في تشكيلات الحكم والسياسة هي الأقوى في دول الربيع العربي. هذا من ناحية المشاعر والآمال والتوقعات، والتي هي في محصلة القراءة السياسية نتاج طبيعي لحسابات العواطف والانفعالات التي صاحبت هذا المنسوب العالي من النداءات والشعارات والحميّة الوطنية والقومية التي شعرنا – كفلسطينيين – بقوة دفقها وحرارتها في ميدان التحرير بالقاهرة. كما شاهدنا على هامش "مليونيات الربيع العربي" كيف تحرك الشباب الفلسطيني في 15 مارس 2011 من ساحة الجندي المجهول في غزة وميدان المنارة في رام الله مطالباً قياداته السياسية بالإسراع في تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، لأن استمرار حالة الانشطار والتشظي داخل البيت الفلسطيني سوف تفقدنا توقعات الكسب وجني ثمار ما تحقق. لا شك أن الحراك الشبابي قد عجّل بخلق حالة من الحيوية النضالية، وقد سارعت حركة حماس على إثرها بالتوقيع على وثيقة المصالحة المصرية في يونيه 2011، وهيأت الأجواء للشروع بخطوات ايجابية باتجاه تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام. إن السؤال الذي غدا مطروحاً بإلحاح - عربياً ودولياً - هو: ما هي انعكاسات الربيع العربي على القضية الفلسطينية؟ وهل ستأتي رياح التغيير بما تشتهيه آمال الفلسطينيين وطموحاتهم؟جاءت الإجابة عبر العديد من اللقاءات الفكرية والندوات السياسية والمؤتمرات التي انعقدت في قطاع غزة والضفة الغربية كما في القاهرة والدوحة وتونس وبيروت، إضافة إلى الملتقيات والحوارات التي جمعت إسلاميين برجال السياسية والفكر في بعض الدول الأوروبية كبريطانيا والنرويج وبلجيكا.. ومع كل ما تقدم، فإن هناك العديد من الدراسات والتحليلات التي خرجت عن مراكز بحث غربية حول نفس الموضوع، مثل: مجموعة الأزمات الدولية (ICG) ومعهد كارنيغي ومعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ومعهد بروكنز والمجموعة الأوربية الإسلامية (Nyon Process) ومعهد تشاتم هاوس (Chatham House)...الخ. وليس بعيداً عن كل ما سبق، فقد كان سؤال العلاقة بين ثورات الربيع العربي وفلسطين يشكل جدلية جديدة اهتمت ببحثها المراكز ذات الطبيعة الأمنية والعسكرية في إسرائيل، مثل مركز أبحاث الأمن القومي (INSS)، وقامت بتقديم مقترحات تتعلق بالاستراتيجيات الإسرائيلية والخطط العسكرية المطلوب تبنيها للتعامل مع هذه المستجدات التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط، وخاصة مع الجارة القوية مصر. في الحقيقة، إننا كفلسطينيين بدل أن نتلقف هذه المتغيرات الجوهرية في المنطقة، ونسارع بتوحيد صفوفنا، وتهيئة الأجواء للاحتفاء بهذا الانجاز الكبير والبناء عليه، بدأنا بالتغني بأن هذا الربيع العربي إنما جاء ثمرة لتضحياتنا وانتفاضاتنا المتكررة في وجه المحتل الإسرائيلي، وأن الشارع العربي تحركت فيه دماء الثورة والنخوة وقام بهبته الشعبية مستوحياً مشهدنا في البطولة والفداء والتضحية وبذل الدماء..!!  نعم؛ قد يكون جزءٌ من هذا الكلام صحيح, ولكن الحقيقة التي لا يختلف عليه المشاهد للحالة العربية أن هذه الثورات فجرتها – بدون شك - حالات الاحتقان السياسي والظلم والقهر والفقر وانعدام الأفق لعقود ثلاثة أو أربعة كان ديدن الحكم فيها هو تغول الأجهزة الأمنية والاستبداد والشمولية وديكتاتورية الحاكم الذي كان شعاره: "ما أريكم إلا ما أرى..."، واذا خرج عليه من يقول: "أمنا برب موسى وهارون" كان ردُّ الطاغية وموقفه: "لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ"..!! إن 90% من عوامل الانفجار كانت للأسباب التي ذكرنا, وربما 10% يمكن أن يُنسب فيه الفضل لمشهد الصمود الفلسطيني، ولتألق مقاومتنا الباسلة في جدع أنف جيش الاحتلال وكسر هيبته، اثناء محاولاته العدوانية المتكررة على قطاع غزة. اليوم, السؤال المُلحّ هو: كم نحتاج من الزمن حتى يمكننا التعويل على أنظمة الربيع العربي لتقديم الدعم والنُصرة – بالشكل المطلوب - للقضية الفلسطينية؟ إن القراءة المتأنية - وبعد مراجعة كل ما تمّ - تدفعنا للقول بأن الربيع العربي ما يزال في فصله الأول, ولم تزهر كل وروده بعد, وأن هناك من يدفع لكي لا تتفتح تلك الزهور، وإذا تفتحت أن تخرج باهتة؛ لا لون ولا طعم ولا رائحة. لقد كان من المتوقع أن يسقط النظام في سوريا على شاكلة ما حدث في تونس ومصر أو حتى بالشكل الدامي الذي شاهدناه في ليبيا, ولكن الغرب الحريص على أنظمة الحكم الموالية له في المنطقة, وجد أن الإسراع في اسقاط نظام بشار الاسد سوف يؤدى الى استكمال الثورات بالشكل الذي لا تحمد عقباه؛ حيث تستكمل نظرية الدومينو حلقاتها بالوصول الى الملكيات التي تربطها بالغرب وخاصة بأمريكا مصالح استراتيجية قد تصبح – إذا استمر مسلسل الثورات - "قاعاً صفصفا". لذلك، تعمّد الغرب أن تكون الثورة في سوريا هي أخر ثورات الربيع العربي, والحجر الأخير الذي نقرع به وجه الظلم وجُدر مآسيه, وبعده تأتي إعادة ترتيب المنطقة من جديد.. من هنا، كانت حسابات الغرب - وأمريكا على وجه الخصوص - أن الحالة السورية يجب أن تكون دموية ومفزعة ومدمرة ومهلكة للحرث والنسل، ومأساوية في أبعادها الإنسانية، حتى لا يفكر إسلامي ولا قومي ولا حتى ليبرالي أو يساري تكرار التجربة في أي بلد عربي أخر.. لقد تركوا للشعب السوري أن يمضي في ثورته بدون دعم حقيقي؛ لا سياسي ولا عسكري, ليواجه نظاماً بوليسياً لم يتورع في سفك دماء شعبه بطريقة غير مسبوقة في بشاعتها وأهوالها, والعالم الغربي – للأسف - فقد كل أخلاقياته واتخذ موقف المتفرج على مشاهد الاشلاء الممزقة للنساء والأطفال والشيوخ، والتي يتمّ انتشالها – بشكل يومي - من تحت انقضاض البيوت المهدمة ومن أمام المخابز التي دكتها الطائرات الحربية بلا رحمة, وارتكب معها نظام بشار الأسد كل ما يُطلق عليه في القانون الدولي اسم جريمة حرب وجرائم بحق الإنسانية، لتعمد استهداف المدنيين العزل بقذائف الدبابات والصواريخ. لذلك , وجدنا أن تركيا وبعض الدول العربية وحتى الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي أضحت كلها عاجزة عن حسم المعركة لصالح الثورة والثوار. إن الرسالة التي أراد الغرب توجيهها للإسلاميين في المنطقة هي: "لهون وبِيكفيّ", ليحتضن مخزون الذاكرة العربية مشهداً دامياً لن يتشجع أحد – إسلامي أو وطني - على تكراره في أي بلد عربي آخر. اما المشهد الثاني فالهدف منه هو التقليل من حجم الإنجاز لأنظمة الربيع العربي، والتي يحاول البعض مغازلتها – على طريقة أهل مكة مع أبي طالب - بالقول:" لقد غدا ملك ابن أخيك عظيما"؛ حسداً من عند أنفسهم لظاهرة انتشار الملك والمكانة لتيارات الإسلام السياسي بالمنطقة، لذا بدؤا بالتآمر لإحباط فرص نجاحها وتحجيم كسبها في الانتخابات القادمة. نعم؛ إن محاولات افشال تجربة الاسلاميين في الحكم تجري على قدم وساق في مصر وتونس, فالغرب لا يريد لهذه الدول أن تنجح في تحقيق الأمن والاستقرار, ويسعى لإفشال هذ التجارب وإغراقها بالمشاكل والأزمات الاقتصادية، حتى لا تشكل خطراً على مصالحه الاستراتيجية في المنطقة . من هنا, نجد أن بعض وكلاء الغرب بالمنطقة؛ سواء أكانوا دولاً أو تيارات، تعمل لتشويه صورة الحكم الذي يتصدره الإسلاميون، والتحريض عليهم بهدف إضعاف حظوظهم في الانتخابات البرلمانية القادمة, وللأسف فإن هناك إعلاماً مشبوهاً يتم تمويله وتحريكه للمشاركة في المؤامرة، بهدف الإجهاز على فرص تعلق الشارع بالإسلاميين والمراهنة عليهم. وكما نجحت محاولات البعض في العمل على تشويه صورة حركة حماس في الحكم, وابقائها "تجربة على المحك"؛ بمعني أنها لم تُمنح الفرصة لإظهار قدراتها في تحقيق الاستقرار والازدهار والحكم الرشيد.. إن ما يجرى في مصر، التي يمثل نجاحها واستقرارها علامةً لصحوة الأمة ونهضتها, إنما هو محاولات لإبقائها مشغولة بأوضاعها الداخلية، وعاجزة عن تحقيق متطلبات الأمن والاستقرار؛ أي خلق حالة من الفوضى والتمرد التي تسمح لكل شامتٍ وحاقد على الإسلامين من الإخوان والسلفيين القول: "أيها النمل ادخلوا مساكنكم"؛ أي أنكم كثرة ولكن بدون قدرة فعل..!! لن أنسى ما قاله لي أحد الاصدقاء من التيار القومي: لماذا تعتبون على العرب أنهم لم يساعدوكم بالشكل المطلوب, يا أخي.. ما تشوفوا حالكم!! خمس سنوات وأنتم تتحدثون – بدون طائل - عن المصالحة، ولم تفلحوا حتى في إنهاء الانقسام.!! إن العاقل يدرك أنكم جميعا تخسرون، واسرائيل هي الكاسب الوحيد من استمرار حالة الخصام بينكم, فالضفة الغربية التي هي حاضنة الدولة الفلسطينية الموعودة تُنتقص من أطرافها، والقدس - عروس عروبتكم -  يتم تهويدها وتشريد أهلها, وقطاع غزة محاصر, والمجتمع الدولي غير راغب أو حتى قادر على اتخاذ قرار لصالح الفلسطينيين يُنهى الاحتلال ويسمح بقيام الدولة الفلسطينية, وأنتم للأسف أصاب بصيرتكم العمى عن ادراك المخاطر القادمة التي تهدد وجودكم وأرضكم"..!! إن الواجب يفرض عليكم أن تعطوا شعوب أمتكم الأمل بإمكانية توحدكم، حتى يمنحوكم الدعم والنُصرة التي تطلبون.. قدموا نموذجاً في التضحية والايثار بأنكم لا تتصارعون على الكراسي, وأن قياداتكم تمتلك من طول القامة ما لشعبكم العظيم. إن هذا القول الذي يخفي في طياته الكثير من العتب، والذي نسمعه في كل مكان سافرنا اليه،  نحاول دائماً تذكير إخواننا في حركتي فتح وحماس به، ولكن يبدو أن الحسابات تختلف، والخلافات أعمت الجميع عن رؤية مكامن الخطر الذي يتهدد مشروعنا الوطني ويحرفنا بعيداً عن إدراك مصالحنا الوطنية العليا. إن المشهد الذي يجب ان نطلّ به على العالم بأسره هو أننا شعب يقف صفاً واحداً خلف قضيته الوطنية، وأن تياراته وأحزابه وفصائله تعمل في إطار شراكة سياسية وتفاهمات ورؤية استراتيجية متفق عليها, بهدف تحقيق أحلام شعبنا في التحرير والعودة والاستقلال. ختاماً: العاقل من اتعظ بغيره إن انشغالات دول الربيع العربي بهمومها وأزماتها الداخلية، وحالات الاستقطاب الفكري والمجتمعي، جعلها عاجزة عن منح الفلسطينيين ما ينتظرون من النُصرة والدعم، خارج سياق المواقف التضامنية التي لا تتجاوز – في أغلب الأحوال - دعاء المنابر، وهبّات متقطعة لحركة الشارع، وبعض التحركات السياسية الرسمية، كتلك التي تجلت في بعض الزيارات الرمزية التي قام بها رئيس الوزراء المصري هشام فنديل، ووزير خارجية تونس رفيق عبد السلام، وأعقبها وفدٌ من الجامعة العربية لقطاع غزة، ممثلة بأمينها العام وتسعة من وزراء الخارجية العرب، إضافة لوزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو واللقاء برئيس الوزراء إسماعيل هنية إبان العدوان الإسرائيلي على القطاع. إن عملية التغيير والإصلاح والتجديد تحتاج إلى سقف زمني من 5- 10 سنوات، حتى تصبح الأمة في حالة من الجاهزية والاستقرار، يمكن – بعدها - أن تنعقد عليها الآمال في دعم حقيقي وتأثير فعال لقضيتنا وتطلعات شعبنا في التحرير والعودة. إن علينا أن نكون على درجة عالية من الوعي والواقعية، وأن نفهم بأن متطلبات ساحتنا الداخلية لها الأولوية الآن، باعتبار أننا "رأس النفيضة"؛ رأس الحربة وطليعة الجيش في مشروع التحرير والعودة، وهذا يستدعي من "الكل الوطني والإسلامي" العمل بالإسراع في تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، ثم التحرك باتجاه بناء شراكة سياسية (Power Sharing System) وتوافق سياسي في إطار الرؤية الوطنية لاستراتيجية التحرير والعودة، والتي سيعزز من إنجازها تقوية خطوط التواصل وتجذيرها مع عمقنا العربي والإسلامي، وانفتاحنا على المجتمع الدولي لكسب تضامنه معنا ووقوفه خلف قضيتنا العادلة. اليوم – والحمد لله - لم تعد لغة التفرد والمغالبة تجري على ألسنة أحد، فالكل في حماس وفتح وباقي فصائل العمل الوطني والإسلامي يتحدث عن المشاركة والشراكة السياسية، وهذا يعني الكثير لمشروعنا الوطني؛ من حيث الرؤية الاستراتيجية والمسار. إن تصريحات الأخ خالد مشعل والأخوة في قيادة حركة حماس حول الشراكة السياسية أضحت حقيقة لا يشوبها شك أو التباس، وهي قناعة فرضتها مخاوف حالة التجاذب والاصطفاف داخل الخريطة النضالية والمجتمعية، إضافة للسنوات العجاف التي أعقبت سنوات الانقسام، وأدت إلى شرذمة الحالة السياسية، وتشتيت مواقف الدعم والنُصرة والتضامن – عربياً وإسلامياً - مع الشعب الفلسطيني . إن الخيار الذي يمكن معه استعادة لحمتنا الوطنية والارتقاء بقدراتنا "من القوة ورباط الخيل"، وكسب مواقف التضامن الدولي واحترام العالم لحقنا في تقرير المصير، ودعم نضالات شعبنا في التحرير والعودة، هو أن نعمل سوياً في إطار شراكة سياسية دونما إقصاءٍ أو استهزاءٍ أو تهميشٍ لأحد. لقد سبق لي تناول هذا الموضوع في دراسة بعنوان "الشراكة السياسية: طريق الوفاق والاتفاق والمصالحة الفلسطينية"؛ باعتبار أن كل الخيارات الأخرى ستقطع الحبل الذي يجمعنا بالناس، وتلقي بظلال الشك في متانة خط العلاقة بـ"حبل الله"، والذي هو مناط إيماننا والمحرك الدافع لمشروع الجهاد والمقاومة، وبدونه ستظل محاولات "السيف والكلمة" تظلع دون الوصول لهدفنا المنشود في التحرير والعودة. لا شك أن الانتصار المعنوي الذي أنجزته المقاومة في قطاع غزة في حرب الأيام الثمانية، وكذلك الرئيس أبو مازن في الأمم المتحدة بحصوله على دولة بصفة مراقب، يمهد الطريق - الآن – وأكثر من أي وقت مضى لتحقيق المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وبذلك تنفرج الأمور في علاقاتنا الداخلية؛ السياسية والمجتمعية، وتتهيأ السبل في اتجاه الذهاب للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وكذلك انتخاب أعضاء المجلس الوطني، ومن ثمَّ تشكيل الحكومة التي تعبر – بصدق - عن حالة الاجماع الوطني؛ أي حكومة الشراكة السياسية. إن السياسة هي علم وفهم للتاريخ ولحركة الشعوب ونضالاتها، وهي فن الممكن بهدف كسب الموقف واستيعاب الخصم، لذا فإن الاجتهادات يجب أن تُبنى على معلومات ومعطيات، إضافة إلى الفرضيات والخيال الواسع لفقه السيناريوهات، وهذا يعني أن عناصر النجاح لمشروعنا الوطني تحتاج إلى أن يُوسد الأمر إلى أهله؛ ممن يُشهد لهم بالعلم والخبرة، وإلى عملٍ تتضافر فيه جهود "الكل الوطني"، وتتراكم على محطاته كل الانجازات، بعيداً عن منطق "كلما جاءت أمةٌ لعنت أختها".