على الرغم من أن الأخطاء والخطايا التي اقترفتها جماعة الإخوان المسلمين باتت لا تعدّ ولا تحصى، وعلى الرغم من أن جزءاً كبيراً من هذه الخطايا والأخطاء قد كشفت عن مستويات مرعبة من العشوائية والاستهتار إلى درجة يصعب علينا أحياناً تصنيف هذه الأخطاء والخطايا بين منزلتي السذاجة والطيش.. فإن ذهنية الاستحواذ والاستئثار تعتبر المحرك والدافع الرئيس لحالة الإخوان في مصر وللحالة التي وصلتها مصر جراء ممارسات الإخوان. أكثر خطايا الإخوان وأكبرها (على تعددها وتنوعها وتتاليها) كان القرار الأخير بإعلان حالة الطوارئ في مدن القناة، كان معروفاً للقاصي والداني أن قراراً من هذا القبيل لا يُذكر المصريين بالحقبة السابقة فقط وما اتسمت به من مظاهر القمع والاستبداد، وإنما سيضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: فإما الاستكانة وإما التمرد على هذه القرارات. اعتقد الإخوان (لأسباب غير مفهومة لأحد من خارج إطار الجماعة) أن فرض حظر التجول يمكن تطبيقه خارج إطار القاهرة والإسكندرية ويمكن السيطرة عليه في كل المدن المتوسطة والصغيرة بل ويمكن الاطمئنان التام إلى سهولة فرضه في مناطق الصعيد والمناطق النائية. لقد نسي الإخوان (وأغلب الظن؛ لأن ذاكرتهم الوطنية فقيرة للغاية) أن مدن القناة بالذات هي أحد أهم وأكبر معاقل العمل والتاريخ الوطني في مصر. ونسي الإخوان أن مدن القناة بالذات وفي القلب منها بورسعيد هي المدن التي أطاحت بالعدوان الثلاثي وهي التي حمت التجربة الناصرية، ويعود الكثير من الفضل لأهالي تلك المدن ونواحيها في تسطير ملحمة المقاومة التاريخية الباسلة في وجه بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مجتمعة. ثلاثة وخمسون يوماً من القتال المستمر ومن العمليات الفدائية المتواصلة ومن الشهداء والجرحى وتضحيات أبهرت العالم في مواجهة حرب مدمرة من الجو والبحر والبر على مدن القناة، والنتيجة أن إرادة أهلنا هناك كانت أقوى من أكبر دول العالم ومن جيوشها ومن غطرستها وكل جبروتها. لم يفهم الإخوان أن استفزاز مدن القناة في أعزّ ما يملك الشعب المصري هناك، وفي أهم ما يميز تاريخ الناس هناك هو خطأ قاتل، ولا يوازيه من حيث ما يعكس من عقلية تتحكم بالشعب المصري اليوم، سوى القرار بسحب الحراسة عن نصب الرئيس الخالد جمال عبد الناصر. وإذا كان قرار سحب الحراسة أو النية بذلك يعكس من الزاوية الرمزية الحالة المرضية وحالة الإقلاق الدائمة التي مثلتها التجربة الناصرية بكل عنفوانها وعزّتها بالنسبة للإخوان وهي (سحب الحراسة) فرصة ليعبر من خلالها "الإخوان" عن حقدٍ دفين لا ينتهي أبداً على الوطنية المصرية ومناسبة لتصفية الحسابات معها، فإن قرار فرض منع التجول وحالة الطوارئ على مدن القناة هو قرار أخرق وغبيّ من الناحية الأخلاقية، إضافة إلى ما يمثله سياسياً من عزم وتصميم أكيد على إغراق مصر في بحر من العنف والفوضى الشاملة. لقد انكشفت لعبة الإخوان، وباتت قضية الاستئثار بالسلطة بكل ثمن ومهما كانت النتائج، هي العنوان الرئيس بل والوحيد على جدول أعمال الإخوان المسلمين في مصر. الموبقات والفواحش السياسية التي ارتكبها الإخوان في مصر في غضون أقل من عامين تعادل ما ارتكبته أنظمة الفساد والإفساد والاستبداد العربي على مدار عقود كاملة. فمن الصفقة مع المجلس العسكري مروراً بالصفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الانتخابات التشريعية الأولى التي طُبخت على "المايكرويف" ثم إلى "النأي" بالنفس عن انتخابات الرئاسة إلى ترشيح مرشحين بدلاً من مرشح واحد. ومن البلطجة في "ميدان التحرير" ووضع الشعب المصري والقوى السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما نجاح مرسي وإما إحراق القاهرة ومصر كلها على الرغم من كل عمليات التزييف التي رافقت تلك الانتخابات الأمر الذي أدى إلى تأخير إعلان النتائج لأكثر من ثلاثة أيام كاملة بعد فرز أكثر من 99% من الأصوات...!!، ثم إعلان مرسي الدستوري العجيب الذي حول فيه الرئيس نفسه إلى منزلة تحت الخالق بقليل، وبما هو أعلى من صلاحيات إمبراطوريات القرون الوسطى، ثم سحب الإعلان والاستفتاء على الدستور الذي تم تزويره بصورة مخجلة ومكشوفة جلبت لهم العار إلى يوم الدين. كيف استطاع الإخوان اقتراف كل هذه الموبقات والفواحش في فترةٍ قصيرة، فهذا والله أمر محيّر ويدعو إلى أشدّ درجات الاستغراب والاستهجان. هل أصبحت مسألة البقاء في السلطة وبأي ثمن مسألة حياة أو موت؟ وهل أصبح الإخوان في موقع الاستعداد لإحراق مصر قبل التنازل عن سدة الحكم فيها؟ قد يبدو هذا السؤال مغالياً، ولكن المتتبع لمجريات الأحداث في مصر وسلوكيات الإخوان على مدار العامين الماضيين التي تفصلنا عن بداية ثورة 25 يناير، لا يعتبر أن في هذا السؤال أي نوع من أنواع المغالاة. الحقيقة أن الذي يرصف مصر للولايات المتحدة وإسرائيل ويؤكد على ذلك في كل مناسبة متاحة والذي يتابع الدعم الأميركي المخزي لسلوكيات الإخوان في مصر، لا يستغرب السؤال ولا يستغرب الجواب. الذي يتابع كيف خاض الإخوان "معركة" القضاء في مصر، ومعركة الإعلام في مصر. معركة النائب العام ومعركة الدستور، معركة الاستفتاء وقانون الانتخابات، معركة البنك الدولي ومعركة الصكوك الإسلامية، معركة العلاقة مع قطر ومعركة الضرائب، معركة المليشيات الإخوانية المسلحة ومعركة أخونة أجهزة الدولة والأمن. الذي يتابع كل ذلك ليس أمامه سوى أن يجزم بأن الإخوان يحرقون مصر ومستعدون لتدمير كل ما فيها وكل ما عليها للإبقاء على المغنم الذي بات بحوزتهم اليوم ويبدو أنه لن يكون لهم أبداً في أي يوم غيره. الإخوان على أبواب إحراق مصر، ومن الأفضل لشعب مصر وللدولة المصرية ولدور مصر ومكانتها أن يرحل النظام الإخواني بدلاً من إحراق مصر وإغراقها. لم يعد ممكناً الاختيار بين الديمقراطية والإخوان، الخيار الآن إما أن يتم إحراق مصر أو يتم إسقاط الإخوان وإنّ غداً لناظره قريب.