خبر : ما هذه الاعتقالات في غزة؟! ..اكرم عطا الله

الأحد 27 يناير 2013 01:50 م / بتوقيت القدس +2GMT
ما هذه الاعتقالات في غزة؟! ..اكرم عطا الله



كعادته في السنوات الأخيرة، يصر الانقسام على جرّنا إلى الوراء دوماً؛ حتى لا نكتب عن قضايانا الوطنية، لتمتلئ أوراق الصحف عن المصالحة والانقسام والاقتسام وجولات الحوار واعتقال الأشقاء للإخوة الأعداء، والتي يبدو أن كل الاتفاقيات السابقة واللاحقة لن توقفها، وكأنها أصبحت جزءاً من تراث الاستبداد الفلسطيني. كنت أجهّز للكتابة عن الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها التي ذهبت يميناً، لكن مكالمةً متأخرةً في الليل لأم مهند الكحلوت، وبكاءها حد الانهيار بعد أن اعتقل الأمن الداخلي ابنها أقنعني بالعدول عن الفكرة، والعودة إلى الغرق في وحل الانقسام، ولأن "ظلم ذوي القربى أشد مضاضة"، فكيف يمكن تفسير أن يعتقل الفلسطيني فلسطينياً، هاتوا كل خبراء البلاغة واللغة لإقناع تلك المرأة أن ابنها اعتقل من أجل الوطن وحتى لا يتم تخريب المصالحة...! الاعتقالات التي تمت خلال نهاية الأسبوع الماضي كانت مفاجئةً وصادمةً من حيث توقيتها، فهي اعتقالات سياسية بامتياز ولأبناء "فتح" وهي الخصم المباشر لحركة حماس التي تقود أجهزة الأمن، فلا يعقل أن تتم هذه الاعتقالات على مسؤولية الأمن بعيداً عن القيادة السياسية التي يفترض أنها توجه الأمن، وفي هذا سؤال كبير عن وجهة المصالحة ومدى جدية القيادة السياسية لحركة حماس. اعتقالات بالجملة تتم خارج القانون ودون وجود جريمة منصوص عليها، والتهمة تحمل قدراً كبيراً من استغباء الشعب بأن المعتقلين من أبناء "فتح" يسعون إلى تخريب جهود المصالحة، فأبناء فتح بقطاع غزة والذين يدفعون يومياً ثمن الانقسام هم الأكثر توقاً لتلك المصالحة؛ لسبب بسيط هو الإسراع في رفع الضغط عنهم، فلو قيل ذلك عن مناصري فتح بالضفة لكان يمكن فهمه، لكن في غزة هذا بعيد عن المنطق وتحتاج حركة حماس إلى جهود جبارة لإقناعنا بذلك، وأراهن أنها ستفشل. صديق من إحدى مؤسسات حقوق الإنسان يقول إنه تلقى مبرر الاعتقال بأن بعضهم تحدث منتقداً وبما لا يليق زيارة رئيس الوزراء الماليزي لغزة، وإن كان ذلك صحيحاً، ألهذه الدرجة وصلنا من قمع الحريات وتكميم الأفواه؟ أليس من حق أحد أن يتحدث؟ والأهم من ذلك هل يساوي رئيس الوزراء الماليزي وحتى أمير قطر وكل الذين يعانون من انكشافهم الوطني والقومي ويأتون إلى غزة الصامدة لتغطيهم.. يساوون جميعاً دمعة أم فلسطينية لم تكتمل فرحتها بعد بخروجها بأبنائها أحياءً بعد حرب غزة الأخيرة لتصحو على كابوس اعتقاله؟ فأي نظام سياسي هذا يبشّرنا به قادته. التهمة الأبرز لهؤلاء أنهم مؤيدون لمحمد دحلان ويرفعون صوره ووزعوا باسمه مساعدات لبعض العائلات، وإذا كان ذلك صحيحاً فهل هذه تهمة؟ لماذا لا يتنافس أعضاء المجلس التشريعي على مساعدة العائلات والأهم من ذلك أن غزة لم تعد تعرف نفسها سوى أنها منطقة التسوّل الأكبر في العالم، وهكذا تعلنها حكومتها وهي مفتوحة لكل من يتصدّق عليها، فهل في صدقة دحلان ما يستدعي كل هذا الجو المعكّر للمصالحة؟ فغزة مفتوحة للمال القطري والأميركي والإسرائيلي والإيراني والأوروبي وإذا ما فتح تحقيق قد يصل الأمر لاكتشاف أن للصومال وميكرونيزيا أيادي ممولة في غزة. هل تبقى شرعية لنظام سياسي ليقوم بحملات اعتقال تشمل صحافيين حتى؟ فحركة حماس دون شرعية دستورية بعد مرور السنوات الأربع على حكمها كما جاء في نصوص القانون، فهي تمتلك الشرعية الثورية وهذه لا تخولها سوى لاعتقال العملاء وملاحقتهم، أما غير ذلك فليس من حق أحد أن يدعي شرعية دستورية، فنحن محكومون بقوة العسكر لا بقوة القانون، بقوة الأمن لا بقوة الصندوق، ومن يذكر بعيد انتخابات 2006 حين تعثرت الحكومة التي شكلتها حركة حماس وبدأت مطالبات بإسقاطها وإجراء انتخابات؟ كانت ردود الحركة حينها "إن الشعب أعطانا تفويضاً بالحكم لأربع سنوات" كان هذا صحيحاً والآن يحق لكل مواطن أن يسأل "بأي حق تحكموننا بعد السنوات الأربع"؟ وبأي حق تعتقلون من يعترض معكم. الناس تعبّر عن نفسها في صفحات التواصل الاجتماعي وفي المنتديات، وهذا أدنى حق من حقوقها طبعاً، شريطة عدم الإساءة للآخرين والمس بهم وهذا غير مقبول، وقد تكفّل القانون والمحاكم والشرطة المدنية بالتعامل مع هذا النوع من القضايا وليس الأمن الداخلي الذي يجب أن ينكفئ فقط للتعامل مع العملاء وتحصين الوطن من الاستهداف والاختراق الإسرائيلي وقد سجل نجاحات لافتة في هذا المجال خلال السنوات الماضية كانت مدعاة للاحترام، أما أن يتدخل في الاقتصاد والإعلام والزراعة والتجارة واللباس والتضييق على المجتمع وحرية الرأي وباقي مناحي الحياة، فإن في هذا استنساخاً لأسوأ النظم الديكتاتورية في العالم العربي التي جرفتها رياح التغيير في المنطقة. وبمناسبة الحديث عن السلطة والشرعيات صادف أمس دخول السنة الرابعة لانتهاء الولاية الدستورية لمؤسسات السلطة، من يذكر عام 2009 وهو العام الذي أبدت خلاله حركة حماس حرصاً على الدفاع عن حقوقنا باختيار قادتنا حين اخترعت مصطلح "الرئيس المنتهية ولايته" عندما مرت 4 سنوات على انتخاب الرئيس، ومن يذكر كيف سحب هذا المصطلح من التداول حين أصبح المجلس التشريعي الذي فازت الحركة بأغلبيته "منتهية ولايته"، فقد انتهت ولاية الجميع وفقاً للقانون وما جرى هو مؤامرة التواطؤ على حق الشعب بالاختيار، وما زالت مستمرة بل وترسّخ نفسها بصورة بعيداً عن نموذج الحكم الذي يحلم به أي مواطن بعد هذه الحروب الكثيرة والمسيرة الطويلة المعبّدة بالدم والأسرى، نموذج يحمي حقوق وكرامة الأبناء والأمهات، لا النموذج الذي يجعل المواطن أرخص ما نملك وينتزع الأبناء من أحضان أمهاتهم بتهم لا تندرج إلا في إطار المعارضة الطبيعية، فيا سادة، وفّروا دموع الأمهات لحروب قادمة، فالإسرائيلي وحروبه المجنونة يتكفل بها. Atallah.akram@hotmail.com