.. وأخيراً جاء إلى إسرائيل رجل المفاجآت الكبرى، رجل بلا خبرة سياسية أو حزبية يصنع انقلاباً، بل انقلابات متوالية متتالية، من ميدان الصحافة إلى ميدان العمل الحزبي، "يائير" بالعبرية، هو فعل وليس اسماً، بالعربية هو ينير، يضيء، لكنه فعل أكثر من كونه اسم، يائير لابيد قلب الطاولة تماماً، وأهم ما في الأمر، أن المسلّمات والتابوهات لم تعد كذلك، ما فعله لابيد كان أكبر من انقلاب، لكنه أقل من ثورة حتى الآن. من المسلّمات التي درجنا عليها، خارج إسرائيل، وفي الأوساط السياسية الفلسطينية والعربية عموماً، كنا نتحدث عن أن كلهم سواء، كلهم أعداء لهم الخطط نفسها تجاهنا، قد يختلفون على شأنهم الداخلي، لكنهم يتفقون تماماً عندما يتعلق الأمر بالمسألة الفلسطينية، ونبالغ في الأمر، إلى أن نتحدث عن أن الانتخابات الإسرائيلية هي شأن داخلي إسرائيلي، طالما أنهم كلهم سواء عندما يتعلق الأمر بنا وبقضايانا، الفوز المفاجئ للابيد كسر هذه المسلّمة تماماً، فكلهم ليسوا سواء، والانتخابات الإسرائيلية، هي شأننا أيضاً كونها، كانت وستظل، تلقي بتبعاتها ونتائجها على قضايانا وحياتنا، ولم يعد القول إن الانتخابات الإسرائيلية هي شأن إسرائيلي، بل هي شأن فلسطيني وعربي بامتياز، كان هذا القول خطأً في السابق، لكنه مع فوز وانقلاب لابيد، بات خطيئةً في الفعل وفي التحليل. حتى "انقلاب لابيد" ظللنا نقول ونحلل، إن إسرائيل باتت أكثر يمينيةً وإن الرأي العام لديها يتجه أكثر فأكثر نحو اليمين المتطرف، وأكثر من ذلك، حسبنا أن إجراءات ومواقف حكومة نتنياهو الاستيطانية، إنما هي استجابة لتطلعات ومواقف الرأي العام الإسرائيلي الذي بات أكثر تطرفاً، وأن من شأن هذه الاستجابة أن تمنح تكتل الليكود بيتنا حصاداً انتخابياً يؤهله لقيادة الحكومة الجديدة دون منازع، بعد أن يكتسح أصوات الناخب اليميني واليميني المتطرف، وأن نتنياهو الملقب بملك إسرائيل، سيصبح إمبراطوراً متوجاً في الدولة العبرية، انقلاب لابيد نسف هذه المقولة تماماً، ولم تعد مسلّمة لا تقبل الجدل والنقاش، انحسار الدعم من قبل الرأي العام الإسرائيلي لتكتل الليكود بيتنا، هو دلالة لا تقبل الجدل، على أن التيارات الوسطية في المجتمع الإسرائيلي، باتت أكثر قوة مما كان عليه الأمر خلال العقد السابق، صحيح أنها لم تتمكن من أن تشكل تياراً سائداً، لكنها عادت لكي تصبح أكثر تأثيراً في الحياة الحزبية والسياسية في إسرائيل. في التجربة الحزبية ـ السياسية في إسرائيل، هناك أحزاب انتخابية، تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها، لابيد، السياسي الجديد غير المجرب، والخبير المتدرب في الحياة الحزبية والسياسية، نسف هذه القاعدة تماماً، فقبل تسعة أشهر من الانتخابات التشريعية المبكرة، أسس لابيد حزبه "يوجد مستقبل" وبنتائج هذه الانتخابات، بات هذا الحزب، الثاني من حيث عدد المقاعد (19 مقعداً) والأول في تقرير شكل الحكومة، أياً كان من يشكلها، وبات "بيضة القبان" التي على أساسها يتم تشكيل الحكومة وتوزيع حقائبها، حتى بفرض أنه ظل خارج الحكومة، وهو احتمال ضئيل، فإنه سيقود المعارضة أفضل من أي حزب وسط آخر، وسيظل مؤثراً، سواء في الحكومة أو في المعارضة، وهو حزب لن ينقرض، كما الأحزاب التاريخية المؤقتة التي أسست في السابق، أكثر من ذلك، فإن احتمالات مبشرة لهذا الحزب، في أن الانتخابات التشريعية القادمة، قد تدفع به إلى أن يصبح الحزب القائد، والعودة بإسرائيل إلى تلك الفترة التي حكم بها حزب العمل إسرائيل، قبل أن يستولي الليكود ومتفرعاته على الحكم مع استثناءات محدودة، لابيد سينتقل من دور المؤثر إلى دور رئيس الحكومة، أو هكذا تقول المؤشرات التي نجمت عن هذا الانقلاب في الحياة السياسية الإسرائيلية. وسائل الإعلام الإسرائيلية، سبق أن وصفت نتنياهو، بشكل متكرر، بأنه مشعوذ وساحر، كونه رغم فشله الذريع، في المسائل الداخلية والعلاقات الخارجية، فإنه ظل ملكاً لإسرائيل، ولا يصل إلى هذه المرتبة في ظل هذا الفشل إلاّ مشعوذ أو ساحر، ورجل له من الخبرة ما يجعله قادراً على إقناع الرأي العام، رغم فشله بأنه المخلص، وهذا ما فعله نتنياهو طوال سنوات طويلة، غير أن الأمر، لم يعد كذلك، إذ أتى رجل من آخر المشهد بلا تجربة أو حنكة سياسية أو حزبية، وأوقع الملك في فخه، وبات متحكماً في خطوات "الملك السابق" وساقه من خانة اللجوء إلى اليمين المتطرف إلى خانة الوسط، مضطراً لا مختاراً، اختفى الملك ما اختفت حاشيته، وبات مضطراً إلى سياسة جديدة، وحاشية مختلفة، فرضت عليه رغم إرادته. بات نتنياهو من الماضي، أما المستقبل في إسرائيل فهو يتكئ إلى لابيد، لقد نال نتنياهو كل الفرص التي نجح في تفويتها، وأمامه الآن فرصة أخيرة، بينما الساحر الجديد، لابيد، أمام فرصة أولى تمكنه من حصد فرص أخرى، قد ينتقل معها في بيضة القبان، إلى سدة رئاسة الحكومة!!. Hanihabib272@hotmail.com www.hanihabib.net