خبر : بيروت متطرفة في حب الحياة ..سمير حجاوي

الجمعة 25 يناير 2013 04:51 م / بتوقيت القدس +2GMT
بيروت متطرفة في حب الحياة ..سمير حجاوي



أخيرا وبعد طول انتظار حطت بنا الطائرة في مطار بيروت، كانت لحظة فارقة فعلا، فهذه هي المرة الأولى التي أزور فيها عاصمة عربية كتب فيها الشعراء من القصائد ما لم يكتب في غيرها، حتى كدنا نعرف كل "زواريبها" وأزقتها وحاراتها وشوارعها وحتى أسماء الأبنية فيها، فهي تنتقل من حرب إلى حب إلى حرب فحب، في متوالية تختلف عن المتواليات العددية والهندسية التي عرفناها، إنها المتوالية البيروتية الخالصة التي تحول الدنيا من حال إلى حال بالاستغناء عن حرف واحد من اللغة فقط، لكنه الحرف الذي يصنع إكسيره موتا وحياة لشعب يحب الحياة حتى التطرف، ويجيد خوض الحرب حتى الموت. إنها بيروت التي تنطق الحجر، وتنزع الحرف منه ليتحول إلى حج وتتحول معه إلى محج لكل العاشقين والحالمين والباحثين عن لحظة من الصفاء والأريحية، إنها بيروت التي تأسرك منذ اللحظة الأولى. ليست الأفخم ولا الأرقى ولا الأنظم ولكنها الأجمل والأروع والأكثر تدفقا في مسامات الروح، تخالط نبضات القلب والوجدان فتحول الكائنات إلى عشاق للحياة وحتى الموت. كم هي غريبة هذه المدينة التي تمتد من حدود الروح إلى شغاف القلب.. من الروشة وحتى الضاحية الجنوبية، ومن عاشقين يغازلان البحر إلى عشاق يغازلون السلاح، ومن فخامة المكان إلى عشوائيات الفقر، ومن شوارع "الشرقية" إلى شوارع "الغربية"، ومن البحر المنبسط الذي تسدل عليه شعرها إلى الجبل الذي تتوسد ذراعه صباح مساء. بيروت هي الحرب والسلام، وهي الحب والكراهية، وهي الرهبة والرغبة التي تتأرجح بين الأمل واليأس، وبين الرضا والغضب، لكنها تبقى دائما دفقات حياة تقذفها أمواج البحر إلى شاطئ مترع بالهاربين إلى الأمل.. كم هي حالمة هذه المدينة التي شرعت أمامي شوارعها مرحبة، من الضاحية الجنوبية حيث الثورة والثوار إلى الفاكهاني حيث "جمهورية عرفات الآفلة" والملعب البلدي الذي يشهد على حرب ضروس، وقريطم حيث تقبع "مملكة الحريري" والجامعة العربية وكورنيش المزرعة وساحة ساسين في الأشرفية وساحة الشهداء ومسجد الأمين في القلب من بيروت.. وإلى جانبها صبرا وشاتيلا حيث يفور الدم الفلسطيني تحت التراب. إنها بيروت التي تمتد أيضاً من شوارع الموت الغربية إلى شوارع الموت الشرقية.. من رفيق الحريري الشهيد الذي تحول مكان استشهاده إلى نصب في شارع تشعر أنه لا يكف عن البكاء عليه، إلى شارع في الشرقية تحول إلى مصيدة موت لجنرال مهمته منع حصد الرؤوس، وما بينهما من أناس قتلوا غيلة هنا وهناك فتحولوا إلى ضحايا تبكيهم بيروت ولا تنساهم. ولكن ورغم كل شيء تبقى بيروت "أسطورة" قادرة على الانبعاث من الموت والدمار والخراب، لا تموت أبدا، تسقط ثم تنهض بعد ذلك، تنزف فتضمد جراحها، وتلعق دماءها المسفوكة ظلما من كل الباغين الطامحين إلى السيطرة ولو حولوها إلى أكوام من الركام. بيروت كائن خرافي يعيش فيه الإنسان، يمارس حياته في فوضى المرور والازدحام والتكالب على السلطة، والإضرابات والاعتصامات التي تمتد من الغاضبين على عدم تنفيذ "سلسلة الرتب والرواتب" التي تمنحهم بعض المال لسد تكاليف الحياة، والمعلمين الذين يضربون مطالبين باحترام "إنسانيتهم" ورفع رواتبهم بما يضمن سد رمقهم ورمق أولادهم في مدينة تحول فيها الغلاء إلى "كماشة" تطبق على الرواتب الضعيفة فتحولها إلى أثر بعد عين في أيام معدودة، واعتصامات "مكتومي القيد" واللبنانيات اللواتي يطالبن بالجنسية لأبنائهن وبأن يعترفوا بهم كبشر لهم حق الحياة كالآخرين.. إنها بيروت الإنسان.. بيروت التي يعيش فيها بشر يحبون الشعر لكنه لا يطعمهم ولا يسد رمقهم، فيمارسون "عشق الطفرانين" ويتهادون "أكواز الذرة" على الكورنيش، ويتبادلون النظرات التي تتفادى السؤال عن الغد حتى "لا تفتح المواجع"، وتفسد اللحظة وتنقلها من الخيال إلى الحقيقة، ومن سعة الأمل إلى ضيق الواقع. إنها بيروت السيارات الفارهة رغم ضيق الشوارع، والماركات العالمية رغم "الطفر"، والقصور التي تجاور "العشش" والبنايات القديمة، مدينة تضيع فيها اللغة العربية، التي تظهر على استحياء في لافتات المحلات والدكاكين والـ"بوتيكات"، وكأنها خسرت حربها مع اللغات الأجنبية التي تتسيد حروفها الواجهات لتعكس معركة خفية على الهوية، هوية عربية خالصة، وأخرى "هلامية" تفتك بالحاضر وتحفر تحت الأساسات لهدم المستقبل. رغم أنها عاصمة الحرف العربي، ومطبعة العرب الأولى بلا منازع. بيروت تنتقل دائما بين زمنين.. تحاول العبور من خطوط التماس والقتل على الهوية والطائفة إلى القتال من أجل غد أفضل لكل أبنائها بكل طوائفهم وأديانهم ومشاربهم الفكرية والسياسية.. كم هو مذهل أن تمر من الشوارع التي كانت تفصل بيروت إلى عالمين أو فضاءين وتقسم جسدها إلى قطعتين وتجعل من حدود القطعتين "خط تماس" وبوابة دخول إلى الآخرة.. تمر اليوم من هذه الشوارع وقد اختفت المتاريس وزالت أكياس الرمل التي كانت تفصل بين أرواح الناس. إنها بيروت التي تحب الحياة حتى التطرف وتكره الموت.. إنها بيروت الحالمة التي تبحث عن المهمها في أمواج البحر وحبات المطر وسكنات اليوم وإشراقات الصباح وضوء القمر. إنها بيروت التي تحولك إلى عاشق حتى لو كنت مدمنا على الموت.. وليس من مدينة غير بيروت تستطيع ذلك سمير حجاوي..كاتب فلسطيني