في حال نجاح بنيامين نتنياهو في تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، الناجمة عن الكنيست التاسع عشر، كما هو متوقع، فإنه يكون قد حقق إنجازاً، يضعه في صف رؤساء الحكومات الإسرائيلية الكبار: بن غوريون، غولدا مائير، مناحيم بيغن، وإسحق شامير، الذين أمضوا سنوات طويلة كرؤساء حكومات، وهو من المنتظر أن يكون رئيساً للحكومة للمرة الثالثة، والتي إن أمضاها كذلك، يكون قد تجاوز فترة العشر سنوات رئيساً لحكومة إسرائيل.لكن الملاحظ هو أنه بقدر ما كان نتنياهو 2، أي رئيس حكومة إسرائيل في ولايته الثانية مختلفاً عنه في ولايته الأولى، فإنه سيكون في ولايته الثالثة أيضاً مختلفاً عما كان عليه في ولايته الثانية، وإذا كانت الخبرة قد لعبت دوراً في أن يقبض نتنياهو على الحكم باقتدار في ولايته الثانية، فإن نتائج الانتخابات والتغيير في المعادلة الحزبية الداخلية الذي نجم عنها، هو الذي سيقود لأن يكون نتنياهو مختلفاً في ولايته الثالثة!نتنياهو الذي اتخذ قرار تبكير الانتخابات بمحض إرادته وبهدف تعزيز قوته السياسية، فوجئ بنتائج الانتخابات، التي أحدثت "توازناً" لم يكن متوقعاً إلى هذه الدرجة على الأقل، ونحن كنا من القلائل الذين توقعوا أن يعود نتنياهو لرئاسة الحكومة، ولكن بقوة يمينية أقل، وكنا توقعنا أن يفوز اليمين الإسرائيلي بالأغلبية البرلمانية، ولكن بقوة أقل، بما يسمح للمعارضة أن تكون أكثر فاعلية في التأثير على سياسات الحكومة المقبلة، لكن المفاجأة كانت في إخفاق اليمين في تحقيق الأغلبية، وبذا سيضطر نتنياهو الذي حاز، بعد تحالفه مع ليبرمان انتخابياً إلى أن يشرك حزباً وسطياً حتى يكون بمقدوره أن يشكل حكومته الثالثة.أي إن التغيير سيمس جوهر الحكومة وبرنامجها، فبعد أن كانت الحكومة السابقة مشكلة من اليمين واليمين المتطرف، صار لزاماً عليها أن تتشكل من اليمين والوسط (هنا يبدو أن حزب لابيد قد حل مكان كاديما)، وهذا يعني أن نتنياهو مضطر لأن يخضع لشروط لابيد حتى يشكل الحكومة، ورغم أن هذا لا يعني إحداث تغيير في سياسة الحكومة الإسرائيلية الجديدة فيما يخص ملف التسوية مع الجانب الفلسطيني، إلا أنه يعني برنامجاً اجتماعياً مختلفاً، ربما كان ذلك يعود للفشل في السياسة الاقتصادية التي اتبعتها الحكومة السابقة التي واصلت تقديم الرشاوى والامتيازات للمتدينين والمستوطنين، واستجابة لما حدث من حراك داخلي، لم يتواصل لكنه احدث تطوراً ما على الصعيد الداخلي.وفي حالة أدين ليبرمان وخرج من الساحة السياسية، فإن حزبه سيختفي بين أروقة الليكود، والليكود حصل مع حزب ليبرمان على مقاعد أكثر بقليل مما حصل عليه منفرداً في الانتخابات السابقة، ولو أنه خاض الانتخابات منفرداً لربما حاز على مقاعد أكثر قليلاً من مقاعد لبيد أو العمل، هذا يعني أن عهد وجود حزبين كبيرين في اسرائيل قد ولى، وباتت المعادلة الحزبية، منذ نحو عشر سنوات، منذ أن استحدث شارون كاديما، ترتكز على ثلاثة أحزاب (يمين ووسط ويسار) بالكاد تفوز بنحو نصف مقاعد الكنيست، فيما يتوزع النصف الثاني على نحو عشرة أحزاب صغيرة تتباين بين اليمين واليسار والمدتينين.في ولايته الأولى لم ينس نتنياهو أنه كان قد غرق في واي ريفر، وان شارون الذي كان قد أخرجه حينها من بين غبار الغياب كان سبباً في إخراجه من الحكم، والذي كان قد ورث عنه حزباً (الليكود) مدمراً، لكنه أحياه وعاد به الى الحكم منذ عام 2000 وحتى الآن، وكان التحاق حزب العمل برئاسة بنيامين بن أليعازر أحد أسباب تلاشي الحزب الذي أسس إسرائيل، المهم أن دروس الحكم في إسرائيل تؤكد أن الحزب الذي يظل محافظاً على قوته، إنما هو الحزب الذي يصل للحكم، وينجح في تقديم الخدمات لأنصاره، وأن الحزب الذي "يلتحق" بالحكم يخسر، وقد حدث هذا مع العمل ثم مع إسرائيل / بيتنا، وعلى لابيد أن يحفظ هذا الدرس جيداً.على الأغلب ستكون الحكومة الجديدة، فيما يخص الملف الفلسطيني، بين حكومة نيتنياهو / ليبرمان السابقة، وحكومة أولمرت / ليفني التي سبقتها، أي أنها لن تكون قوية لدرجة إغلاق المنافذ التفاوضية، كما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية، بالمقابل لن تصل لدرجة التوصل إلى اتفاق رف أو ما شابه كما حدث مع أولمرت / ليفني، لكنها وفي ظل ولاية ثانية لأوباما وفي ظل حراك مستمر إقليمي، ستضطر إلى تخفيف حدة التوتر، وهي بذلك لن يكون بمقدورها أن تواصل الضغط على السلطة، لدرجة الأقدام على إسقاطها، لذا فربما يتم التوصل الى "حل" قد لا يكون نهائياً، ولكن ربما تضطر للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وبالتالي مفاوضتها على الانسحاب من أراضيها التي تحتلها، ولكن ضمن اتفاق طويل أو متوسط المدى، أي انه يمكن التوصل إلى حل، ولكن على أساس أن يتم تنفيذه خلال سنوات عديدة، المهم هو أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، جاءت أقل ضرراً على الجانب الفلسطيني، الذي إذا ما نجح في إغلاق شقوقه الداخلية المتمثلة بالانقسام، وأجبر العرب على تقديم دعم بحدوده الدنيا _ سياسياً ومالياً _ لفلسطين، فإن معركة لا يمكن الظفر بها إلا بالنقاط، ستبقى قائمة، وان لم يربحها الفلسطينيون، قريباً، فإنهم لن يخسروها، بل وعلى الأغلب سيربحونها، بعد طول صبر وكفاح. Rajab22@hotmail.com