ينظم التسامح حالة الاختلاف ويؤسس لها حقا أساسيا وأصيلا، وبصفته تلك فهو يمثل شكل وجوهر العلاقة مع المختلف وهو بالضرورة موقف منه ينطوي على ثنائية أساسية وأصيلة فهو: إقرار لحقه في الحرية، أي حقه كفرد يتمتع بالارادة الحرة، في أن يكون رأيا أو اعتقادا، وهو ايضا إقرار لحقه في ارتكاب الخطأ اعتقادا منه أنه الصواب، تأكيدا على حقيقة أن منشأ الخطأ في نهاية الأمر هو افتراض الصواب. إن في التأكيد على ذلك، تسليم بأن الحقيقة ليست مطلقة بل هي نسبية موضوعيا، وربما تكون نسبية الحقيقة هي الحقيقة المطلقة الوحيدة. إن الصواب والخطأ هما النتيجة الحتمية لنسبية الحقيقة وما الصواب المطلق الذي يفترض الآخر خطأ مطلق الا تعسف واضح وموقف استبدادي ينفي الآخر وينزع عنه أي مشروعية أخلاقية ويؤسس لفعل سياسي واجتماعي وثقافي إقصائي والغائي. إن الاختلاف ومن ثم التسامح معه يعني الاقرار بحق الأفراد في الاعتقاد بالصواب والتعبير عنه حتى لو نظر له الآخرون على أنه خطأ. إن غياب التسامح بين المختلفين الأحرار يعني ادعاء كل منهم بحق مزعوم لتقسيم المجتمعات بل والعالم إلى محورين أحدهما للخير وآخر للشر، وحيث أن رسالة الانسانية هي السعي الدائم نحو الخير، فإن الشر لا وجود له ولابد من استئصاله. إن الادعاء بذلك والتسليم به يعني انتقال الفشل في الاقرار بالاختلاف وتنظيمه إلى شكله الأكثر تطرفا أي "التعصب". أن جوهر "التعصب" نظرية وممارسة، فكرا وسلوكا، يكمن في رفض الاختلاف وعندما يتحول هذا الشكل المتطرف من رفض الاختلاف إلى الايديولوجيا، فإن المشروعية لما هو سواها يجب نزعها وكيف لا؟ وسواها هو الشر المطلق وهو ما يشكل المقدمة الضرورية لاستباحة الدماء وإهدار الكرامات. في حالة "التعصب" يصبح الاختلاف عبئا ثقيلا، بالنظر إلى ان حالة الاختلاف تذكر المتعصب دائما بان مطلقه نسبي، وهو ما لايمكن التسليم به بالنظر إلى ان من يمتلك الحقيقة المطلقة لايمكنه أن يقنع الا بمجتمع يكون اعضائه آحادا في صورة منه وعنه. إن الفكرة والقيمة الضعيفة اخلاقيا، هي تلك التي تنزلق إلى تطرف التعصب وهي التي لايمكن لها التعايش مع حالة الاختلاف، فهي تستمد شرعيتها من عزلتها ومن رفض لكل من يقترب منها حوارا واشتباكا معرفيا. يثير مفهوم التسامح في الحالة الفلسطينية كثيرا من الأسى والحزن، بالنظر إلى أن الاختلاف القائم هو نتاج حالة شديدة الفرادة في تداخل ما هو خارجي مصطنع وما هو داخلي أصيل، وبتوفر هذه العوامل فإن الخلاف ومن ثم الفشل في تنظيمه يعيد انتاج ذاته بشكل أكثر مأساوية، انقساما واستقطابا وشرخا افقيا وعموديا في جسم المجتمع ومؤسساته وتعبيراته الاجتماعية المختلفة وغني عن القول أنه تمظهر فعلي وعملي بالغ الوضوح لتدمير الذات. على الرغم من أن المجتمع الفلسطيني يتميز بتجانس قل نظيره من جهة التكوين الديني والإثني وحقيقة أن الفلسطينيين يرزحون تحت احتلال استئصالي لايفرق بينهم مختلفين، مهما كان ذلك الاختلاف دينا أم رأيا سياسيا ام جنسا ام مكان سكن، ام أصلا اجتماعيا أم لون بشرة، مما يوفر بالضرورة أكثر من سبب لتوافر حالة من الضمير الجمعي الموحد. ومن شواهد الممارسة على سبيل المثال لا الحصر، أن افتراض الصواب المطلق في خيار الدخول في عملية تفاوضية يقابله صواب مطلق آخر برفض تلك العملية. إن الانقسام القائم بين الفلسطينيين هو انقسام خطير يطال بتأثيراته ودينامياته المتواصلة مختلف مناحي حياة الفلسطينيين وما الانقسام السياسي القائم الا التعبير شديد الوضوح وقطعي الدلالة على حقيقة فشل الفلسطينيين في بناء مؤسستهم. إن جوهر الشرعية التي تحظى بها المؤسسة في النظام السياسي المعاصر أو حتى في تلك الأنظمة الارثية يكمن في حقيقة انها المكان الذي يجري تفويضه لتنظيم الاختلاف واحتواء التناقضات وتفكيك أزمات المجتمع ومكوناتها. إن الفشل في احتواء كل ذلك، اختلافا وتناقضا وأزمة وتوترات، وهو ما كان قائما، ومن المؤكد أنه موجود في كل نظام سياسي مهما بدت فرادة الحالة الفلسطينية ومهما ادعى الفلسطينيون باستثنائيتها، يؤشر إلى هشاشة مؤسسات الفلسطينيين السياسية وضعفها، وسقوط ذريع لها في اختبار الجدارة والاستحقاق. إننا الآن أمام وضع خطير يهدد حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم ووحدة هويتهم وهو ما يستوجب تنظيم ذلك الاختلاف مهما بدا هائلا، وفقا لقاعدة تجريم الالغاء والاقصاء والنفي واسقاط المشروعية. إن الحقيقة المؤكدة أن لا أحد يختار ذلك المختلف معه، والا لاختار كل منا المختلف معه على مقاسه وكما يريده أن يكون، وعليه فلا خيار أمام الفلسطينيين سوى إعمال قيم التسامح السياسي وانهاء القطيعة مع الآخر حفاظا على ما تبقى من حطام وحدة ولتأسيس حالة تمكنهم من إعادة الاعتبار لمجتمعهم ونظامهم السياسي بما يضع البنى التحتية لاشراك الفلسطينيين في دائرة الفعل السياسي والاجتماعي كمقدمة ضرورية لتحصين المجتمع ونظامه السياسي من أي تدخل خارجي وهو التدخل بالغ الكلفة والذي دفع الفلسطينيين ولازالوا أثمانا باهظة لأجله وذلك كله متطلبات أساسية لمشروع انهاء الاحتلال وانتزاع الفلسطينيين لحقوقهم المشروعة، فلا أوطان حرة الا بالشعوب الحرة، ولاشعوب حرة ألا بأفراد أحرار. وآخر القول وأوله: لو أن كل حالة اختلاف لم تعد قادرة على التعايش مع تلك المختلفة معها، قامت بتأسيس شرعية لاختلافها، لانقسم العالم إلى آلاف الكيانات الدينية والمذهبية والعشائرية والسياسية.