خبر : ارتجاج المشهد الإسرائيلي ومأزق نتنياهو ..بقلم: د. عبد المجيد سويلم

الخميس 24 يناير 2013 10:17 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ارتجاج المشهد الإسرائيلي ومأزق نتنياهو ..بقلم: د. عبد المجيد سويلم



على الرغم من أن آخر استطلاعات الرأي كانت قد "توقعت" تدهور شعبية تحالف الليكود وإسرائيل بيتنا وانحدار تأييده من ٤٢ مقعداً، الى حوالي ٣٢ مقعداً (اكثر او اقل بقليل)، وعلى الرغم من أن نفس تلك الاستطلاعات أعطت لحزب البيت اليهودي اكبر من الحجم الذي تحصّل عليه وأعطت حزب العمل حجماً اكبر من الحجم الذي تحصّل عليه، الا أن تلك الاستطلاعات أعطت لحزب لبيد اقل من النتائج التي أفضت اليها الانتخابات وكذلك الامر بالنسبة لحزبي "ميرتس" و"شاس" واحزاب اخرى. الذي "سرق" مقاعد "الليكود - بيتنا" هو "البيت اليهودي" الذي قفز من ثلاثة مقاعد الى اثني عشر مقعداً، والذي اقتنص مقاعد "الليكود" و- "كاديما" - والى حد ما بعض مقاعد "العمل" وبعض مقاعد حزب "الحركة" هو حزب "يوجد مستقبل". واما باقي الزيادات والانتقاصات فهي في حدود المعتاد في الانتخابات الاسرائيلية. أزعم هنا ان النتائج التي انتهت إليها الانتخابات الاسرائيلية هي في الواقع نتائج عادية ومعتادة. فقد شهدنا على مدار انتخابات مختلفة نوعاً من "هروب" الشارع الاسرائيلي من منطقة الاطراف، اي من مناطق الاستقطاب الحاد الى منطقة الوسط وهذه هي المرة الثالثة الكبيرة التي تأتي بأحزاب وسطية الى مركز الثقل السياسي في اسرائيل. الامر الجديد هنا هو ان حزب "يوجد مستقبل" ليس له جذور حزبية او سياسية يمينية او يسارية مباشرة. وليس لهذا الحزب خلفية فكرية خاصة تجعل منه حزباً "تراثياً، وبالتالي فهو حزب "متحرر" من اي ارث وعليه يستطيع ان يناور في قضية تشكيل الحكومة القادمة بهوامش اوسع من اي حزب آخر او من اي كتلة انتخابية اخرى. والامر الثاني هو ان هذا الحزب قد تحول بالفعل الى مركز الثقل ليس من خلال قدرته على تشكيل الحكومة القادمة اذا ما فشل نتنياهو بتشكيلها ولكن من حيث انه اصبح من الصعب تجاوز هذا الحزب والقفز عما اصبح يمثله في الواقع الاسرائيلي. الامر الثالث هو ان نتنياهو اصبح في وضع صعب للغاية، فإذا ما اراد التحالف مع الحزب الجديد فإن عليه ان يضحّي بجزء من اليمين وإذا ما اراد الاحتفاظ بكامل الجوقة اليمينية في الوزارة القادمة فعليه ان يلقى من اليسار ومن الوسط من هو مستعد لبيع نفسه بثمن بخس وربما بدون اي ثمن يذكر حتى يتم ارضاء اليمين. والامر الرابع فإن نتنياهو عليه ان يضحي باليمين كاملا (اليمين القومي) وربما اليمين الديني اذا "فكر" بالتحالف مع الوسط واليسار ولهذا فإن نتنياهو اليوم يعيش الكابوس الوحيد الذي لم يحلم به ابداً ولم يفكر بأن الامور ربما يمكن ان تصل الى هذا المستوى من التعقيد. الواقع ان نتنياهو استبق الجميع بالحديث عن حكومة وحدة قومية واسعة بحيث اصبح يدرك ومنذ الآن ان التمحور مع هذا المعسكر او ذاك هو مقتل لطموحاته، ومقتل لأطماعه، وربما ان هذا التمحور سيؤدي في نهاية المطاف الى تكليف شخص آخر اكثر قدرة على حشد القوى السياسية في اسرائيل. وقع نتنياهو في مصيدة البحث عن اصوات اليمين واصوات المستوطنين ولكنهم خيبوا آماله، ووقع نتنياهو في مصيدة البحث عن اصوات الروس، فإذا بأصواتهم تتوزع في كل الاتجاهات وتبتعد عن نتنياهو وليبرمان بصورة خارج اطار كل توقع. وراهن نتنياهو على اصوات اليهود الشرقيين وهم قاعدة تقليدية قوية مؤازرة لليكود تاريخياً فإذا بأصواتهم ايضاً تأتي اقل بكثير من المتوقع ومن المعتاد بعدما غادرت حزب الليكود القيادات التقليدية ومن يعرفون بأمراء "الليكود". خسر نتنياهو كل الرهانات وكل المراهنات ولكنه كسب شيئاً اكبر واهم من كل الخسارة التي مني بها. لقد استطاع نتنياهو على مدار سنوات متعاقبة ان ينقل دائرة الاهتمام الشعبي في اسرائيل على مستوى القضايا السياسية والقومية الى حيث يريد بالذات. فقد هُمشَت القضية الفلسطينية بالكامل او تحولت الى اهتمام من الدرجة الثالثة في اطار البرامج السياسية والانتخابية في اسرائيل، وتحولت قضية السلاح النووي الايراني الى قضية اسرائيل الكبرى والمصيرية. استطاع نتنياهو ان يقنع الاسرائيليين بأنهم تحت اخطار محدقة، واستطاع ايهام الاسرائيليين ان الامن هو الاولوية المطلقة والثابت الوحيد في السياسة الاسرائيلية، وفي هذا الاطار تحول منطق القوة والتفوق الى المنطق الوحيد الممكن للتعامل مع القضايا الاقليمية والتحولات التي تجري من حول اسرائيل. بكلمات اخرى نجح نتنياهو بإشاعة ثقافة اليمين ونجح نتنياهو بتغيير الاولويات والاعتبارات واستطاع ان يخلق "اجماعات قومية" لم يستطع احد من قبله ان يخلقها ويحولها الى ركائز سياسية في اغلب البرامج السياسية في اسرائيل. لعب نتنياهو على عنصر التخويف وعلى عنصر الاخطار بكل ما تحمله كلمة الاخطار من معنى ومن مضامين، بما فيها العسكرية الامنية، والديمقراطية، والسياسية والثقافية الاجتماعية. وبهذا المعنى ربح اليمين معركة البنية الاجتماعية الثقافية ولكنه لم يحقق في الاطار السياسي المباشر نفس القدر الذي كان يراهن عليه سياسياً. على اساس كل ذلك فإن المراهنة على فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة هي مراهنة مشروعة ولكن المراهنة على تشكيل حكومة لها برامج سياسية حقيقية حيال مسألة الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هي مراهنة فاشلة. فالاحزاب التقليدية من "اليسار والوسط" لا تحمل الهم السياسي كأولوية ولكنها حتى وان اجبرت على حمل هذا الهم فهي بالاساس لا تختلف جوهريا عن توجهات نتنياهو حتى وان اختلفت قليلا عن توجهات ليبرمان وحزب الاستيطان الجديد - البيت اليهودي -. كما ان حزب "يوجد مستقبل" نفسه هو في الجوهر حزب يميني من حيث دعم مشاريع (الاجماع القومي) وهو يفتقر الى اية رؤى فيما يتعلق بالتسوية السياسية وهو لا يملك اية آراء نعرفها حول صنع السلام في هذه المنطقة. باختصار فإن هزة قد ضربت عرش نتنياهو وستستمر توابع هذه الهزة حتى الى ما بعد تشكيل الحكومة، ولكن نتنياهو يعرف ان الصعاب التي سيواجهها على مستوى التحديات السياسية و"القومية" ستكون ثانوية بالمقارنة مع الصعاب التي سيواجهها على مستوى التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لأن المجتمع الاسرائيلي قد تأدلج بما يكفي فيما يخص السياسة ولكنه لم يتروض ابداً فيما يتعلق بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية. اثبتت هذه الانتخابات ان نتنياهو قد نجح بتخويف الاسرائيليين ولكنه فشل فشلاً ذريعاً في تأمين حياتهم من هذا الخوف، وهو سيفشل اكثر عندما يتعلق الامر بوسائل عيشهم ومقومات الحياة التي تعودوا عليها. نتنياهو قال كل ما كان يمكن ان يقال ولكنه لم يفعل شيئاً واحداً من الذي يبحث عنه كل اسرائيلي عادي، فالسيد نتنياهو داعية ممتاز وسياسي فاشل والاهم سياسي ضعيف على عكس منطق القوة الذي كان ينادي به ويعمل على ترسيخه. اعتقد نتنياهو انه اصبح في مصاف كبار اسرائيل، وفي لحظات اوهم نفسه بأنه الملك غير المتوّج، وها هي الايام تثبت ان نتنياهو ليس سوى سياسي فاشل وأُلعبان انتخابي، واغلب الظن انه في الطريق الى الخروج من نافذة صغيرة تطل على سلّم الخدمات في بيت كبار الاسرائيليين.