لا شك أنه من الصعوبة بمكان الحديث عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية وآثارها على القضية الفلسطينية قبل ساعات من الإعلان عن هذه النتائج، لذلك آثرت، تهرباً من هذه الصعوبة، أن أتناول هذه الانتخابات من خلال إبداء بعض الملاحظات المتصلة بها، خاصة وأنها تجري في ظل ظروف إسرائيلية داخلية مختلفة وفي إطار إقليمي جديد كلياً، من هنا يمكن لهذه الملاحظات، أن تلقي الضوء على العملية الانتخابية الإسرائيلية بصرف النظر عن نتائجها. وتعكس الانتخابات للكنيست التاسعة عشرة متغيراً بارزاً، إذ إن الـ 32 كتلة وقائمة انتخابية تتسابق على الفوز بأكثر المقاعد في البرلمان الإسرائيلي، تضمنت برامجها بشكل رئيسي أجندة ذات أبعاد داخلية، اقتصادية واجتماعية، وغابت عن هذه الأجندات الجوانب السياسية بما فيها وعلى رأسها، العملية التفاوضية مع الجانب الفلسطيني، يعلل بعض المحللين هذا الغياب للجانب السياسي، بأن الأمر بات مسلّماً به، اليمين قادم بتحالف مع اليمين الأكثر تطرفاً، وأجندة حكومة نتنياهو القائمة الآن ستتجدد بهذا الشأن، وهي، هذه الأجندة، تلقى صدىً واسعاً من الجمهور الإسرائيلي الذي اختبره وتأكد من أن اليمين الإسرائيلي قد لا يلتزم تماماً بشعاراته الاقتصادية والاجتماعية التي يتبناها أثناء الحملات الانتخابية، إلاّ أنه سيظل وفياً لشعاراته المرتبطة بالاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، لذلك، فإن معظم الكتل الانتخابية، لم تتطرق إلى هذا الشأن، كون الرأي العام الإسرائيلي الذي بات متوازياً ومستجيباً لتطرف اليمين، بات أكثر التزاماً بتكتلات وائتلافات اليمين واليمين المتطرف، بينما يرى بعض آخر من المحللين الإسرائيليين، أن الرأي العام بات مهتماً أكثر بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية بعدما أصبح آمناً على حياته من دون أي تهديد خارجي، ويذكر هذا البعض على سبيل المثال، أن الجمهور بات أكثر تمسكاً باليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو، رغم الحصيلة المتواضعة لنتائج الحرب الإسرائيلية الثانية على قطاع غزة، ذلك أن هذه الحرب وفرت في نهاية الأمر استقراراً وأمناً لجنوب إسرائيل لم يحدث منذ أعوام، وحتى بعد أن زار نتنياهو، حائظ البراق في نفس يوم الانتخابات، لم يجد هذا الحدث الانتخابي الخطير أي ردود فعل فلسطينية، كما حدث عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق المسجد الأقصى في خطوة استعراضية، إذ كانت ردود الفعل الفلسطينية انتفاضة شعبية كبرى استمرت لخمس سنوات من العام 2000 إلى العام 2005، الأمر الذي يشير إلى أن الجمهور الفلسطيني بات آمناً مع حكومة اليمين وان المهم بالنسبة لهذا الجمهور، بعد توفر الأمن، توفر حياة أكثر رغداً للجمهور الإسرائيلي. وبعد موجة الصقيع والعواصف قبل أيام قليلة من يوم الاستحقاق الانتخابي في إسرائيغل، كان هناك تخوفات من أن تعاود هذه الموجة أثناء وعملية الاقتراع ما يؤثر على نسبة التصويت، غير أن بعض المحللين الإسرائيليين أشاروا إلى أن الأمر هو غير ذلك، إذ إن موجة الصقيع والعاصفة ستؤثر حتماً على نسبة التصويت، غير أن الأجواء الربيعية التي سادت أثناء يوم الانتخابات، أدت إلى أن عائلات عديدة، انتهزت يوم العطلة والأجواء الربيعية، لأخذ إجازة بعيداً عن صناديق الاقتراع، غير أن هذا الرأي الأخير ظل بعيداً عن الواقع، إذ إن نسبة التصويت قد زادت فعلاً بحوالي خمسة بالمئة مقارنة مع الانتخابات الثلاثة الأخيرة، إلا أن نسب التصويت بين "الطوائف والإثنيات"، ظلت على حالها، إذ إن نسبة تصويت "الحريديم" والمستوطنين بلغت حتى بعد ظهر أمس ـ يوم الانتخابات ـ 90 بالمئة، بينما بلغت النسبة لدى العلمانيين والليبراليين حوالي 60 بالمئة، في حين تناقصت نسبة المصوتين العرب من 55 بالمئة إلى حوالي 45 بالمئة، إلاّ أن هذه النتائج ليست نهائية بطبيعة الحال. وما دام الحديث عن الصوت العربي في الانتخابات الإسرائيلية، استمعت إلى شهادات من ناخبين عرب في النقب، وخاصة من قرية "أم الفحم" وهي "غير معترف بها"، وفقاً للقانون الإسرائيلي، وحيث إن قانون الانتخابات يسمح للمواطنين الناخبين ممن يعيشون في مناطق ليس بها صناديق اقتراع، على بعد 20 كيلومتراً وأكثر، أن يتنقلوا في المواصلات العامة على نفقة الدولة، لكن مواطني أم الفحم، وهي قرية ليس بها أي صندوق اقتراع، ويبعد الصندوق الأقرب 60 كيلومتراً، لم ولن يتمكنوا من الاقتراع لو أرادوا، لأن قريتهم، غير المعترف بها، لا تمر بها وسائل النقل العامة، رغم ذلك، تقول الشهادات التي استمعت إليها، إن هناك ثلاثة مرشحين عربا من منطقة النقب، بالكاد غادروا القرية والمنطقة لدفع الناخبين إلى التصويت لصالحهم، دون أن يعلم هؤلاء أن ذلك لن يجدي نفعاً، كون الناخبين هؤلاء لا يستطيعون الوصول إلى صناديق الاقتراع، وكان من الأولى بهؤلاء المرشحين، السعي لتوفير فرص الاقتراع للمواطنين أو توفير وسائل النقل الخاصة لدفع مواطني "أم الفحم" والقرى المشابهة إلى الوصول إلى مراكز التصويت! وبطبيعة الحال، فإن هذه الملاحظات، وكثير غيرها، ستوضع جانباً بعد لحظات من إعلان نتائج الانتخابات، إلاّ أن الأمر لن يستمر طويلاً، إذ من الضروري أن تؤخذ بالاعتبار في المسيرة السياسية "للوسط العربي" على وجه الخصوص، كونه يخوض نضالاً بالغ الصعوبة في ظل سيادة ظواهر العنصرية والفاشية، ويمكن القول، إن الحياة السياسية للوسط العربي في إسرائيل، تعاني مما تعانيه الحياة السياسية لعموم الفلسطينيين من انقسام وتشرذم، إلاّ أن هذه الملاحظة لا تتعلق فقط بما قبل النتائج، ولكن لما بعدها على الأرجح، بكل أسف!! Hanihabib272@hotmail.com – www.hanihabib.net