مهما تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية من الواضح أن الجماعات اليمينية ستكون صاحبة النفوذ الأكبر، إلا إذا حصلت معجزة وخرجت الغالبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي للتصويت في هذه الانتخابات التي ستكون نتائجها التقريبية معلنة قبل قراءة هذا المقال. وليس سهلاً على أي حكومة إسرائيلية أن تتجاوز هذا التعاظم لقوة المستوطنين التي انعكست في سلوك معظم الأحزاب الإسرائيلية بما فيها حزب "العمل" المحسوب على اليسار الصهيوني. وإذا أمعنا في سلوك نتنياهو في الفترة التي سبقت الانتخابات، وحتى في يوم الانتخابات نفسه، سنلحظ ببساطة أن جمهوره المستهدف هو جمهور المستوطنين ومؤيديهم. فمن أجلهم تراجع نتنياهو عن أكذوبته الشهيرة الواردة في خطاب "بار إيلان" المتعلقة بتأييده لحل الدولتين، وأعلن صراحة أنه يرفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة وأقصى ما يمكن أن يذهب إلى تأييده هو حكم معين للفلسطينيين، أي أنه يريد بقاء الوضع الراهن على حاله دون تغيير ومقابل ذلك يريد كل شيء من الفلسطينيين؛ أن يوافقوا على استمرار الاستيطان في كل شبر من الضفة الغربية، وليس فقط في القدس والكتل الإستيطانية الكبيرة، وأن يتخلوا طواعية عن القدس الشرقية وعن قسم كبير من المناطق المحتلة بما في ذلك غور الأردن، وان يقبلوا باستباحة كل مناطق الضفة وقضم ما تريد إسرائيل منها، ويتنازلوا عن حق اللاجئين الفلسطينيين وعن المياه والحدود وكل شيء.نتنياهو واركان حزبه وحلفاؤه في اليمين يريدون أن يسمحوا الحقوق الفلسطينية بمجرد تصريح أو إجراء استيطاني وكأن أحداً يمكنه أن يقضي على شعب بكامله ويشطب ذاكرته الوطنية ويلغي وجوده لأنه لا يروق له أن يقاسم هذا الشعب في أرضه وأن يقبل وجوده من حيث المبدأ. وهذه ليس مجرد دعاية انتخابية لكسب الاصوات، بل هذه حقيقة الوضع الإسرائيلي الذي يغيب فيه العقل وينتصر فيه جنون التطرف. وإذا كان لا أحد يمكنه قتل انتماء الناس لوطنهم وهويتهم ويصادر حقوقهم، فليس دائماً تنتصر الشعوب ، خاصة إذا سلمت بالواقع واصبحت رهينة لموازين القوى .فالتاريخ يشهد على شعوب تمزقت وبلدان تقطعت أوصالها وقسمت واضحت نهباً لكل من يملك القوة و اراد حصة من هذه الغنيمة، حتى لو لم تنس ما حل بها. ينبغي عدم الاستخفاف ببرنامج اليمين الذي تنحرف الساحة الحزبية نحوه والذي يقوده نتنياهو وزمرته حتى لو لم يحالفه الحظ في تشكيل الحكومة القادمة،فنحن هنا أمام واقع جديد تبرز فيه قوة المشروع الإستيطاني وكأن الصهيونية التقليدية القديمة قامت من جديد وتجاوزت كل التراكمات التي حصلت على القضية الفلسطينية منذ عدوان عام 1967 وخصوصاً بعد اتفاق "أوسلو" و خطة "خارطة الطريق" وأخيراً الاعتراف الدولي بدولة فلسطين كدولة غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة على حدود 1967.فهناك قادة إسرائيليون يراهنون على عنصر الزمن وفرض الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني المنقسم على حاله في سلطتين لا تملكان القدرة في حل ابسط مشاكله. ويبدو أن التاريخ السابق للصراع قد علمهم أن الفلسطينيين يتنازلون في النهاية ويقبلون حقائق الواقع، كما تنازلوا عن رفضهم لقيادم دولة يهودية في بداية القرن العشرين على نسبة من الارض الفلسطينية لا تصل إلى 20% من مساحة فلسطين، ثم تنازلوا عن رفض الكتاب الأبيض ، وتنازلوا عن رفض قرار التقسيم ، وقبلوا بحدود 1967 ، وقبلوا كذلك بمبدأ تبادل الأراضي، وقبلوا بتقسيم القدس الشرقية، وأشياء كثيرة في مسيرة المفاوضات الطويلة وغير المثمرة، فما المانع أن ينتظر الحل بضعة سنوات فيقبل الفلسطينيون أقل من أراضي الضفة والقطاع وربما يتنازلون عن القدس وعن حقوق اللاجئين، التي قد تظل مجرد أغنية ترددها الأجيال.صحيح أن الحكومة الإسرائيلية القادمة التي قد يشكلها نتنياهو إذا بقيت على نفس السياسة الحالية ستواجه مشاكل مع العالم وربما تواجه ضغوطات دولية معينة، على اعتبار أنها تهدد الإستقرار في المنطقة ، ولكن صحيح كذلك أنه إذا بقي حالنا على ماهو عليه اليوم فسيمل المجتمع الدولي من الاهتمام بهذا الملف وسنفقد فرصة ذهبية في إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الدولية تجاه قضيتنا الوطنية. والإنقسام يشكل خطراً لا يقل عن السياسة الإسرائيلية القائمة على الاستيطان وقتل فكرة السلام على قاعدة حل الدولتين.فالوقت أمامنا قصير لكي نفعل شيئاً صحيحاً لمشروعنا الوطني الذي سيتحول غلى مجرد شعارات لا معنى لها إذا فقدنا القدرة على الفعل والتغيير في صالح إنجاز حقوقنا الوطنية المشروعة.نتنياهو وليبرمان ونفتالي بينيت يقرعون لنا جرس الإنذار لكي نصحو ونرى الحقيقة التي نخفيها خلف جمل كبيرة رنانة وطنانة تستسيغها الآذان وتطرب عليها النفوس.وهي أننا نفقد الوطن ونفقد حقوقنا بالتدريج طالما نحن نمرر سياسة نتنياهو وشركاه بصراعنا على السلطة والمكاسب التافهة مقارنة بحجم الخسارة الهائل. وليسمح لي كل المتحاورين والمتخاصمين والباحثين عن الاضواء في معالجة ملف الانقسام بأنه لا يمكن أن يصدق الناس شعاراتهم وادعاءاتهم بالحرص على الوطن طالما بقي هذا الانقسام اللعين يوماً واحداً، نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:إما الإبقاء على تقاسم الكعكة التي لم يتبق منها سوى الفتات وضياع الوطن بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، وإما انهاء الانقسام فوراً والبدء في مواجهة قوية وحازمة للمشروع الاستيطاني وتعزيز التوجه الدولي الذي يعارض سياسة اليمين الإسرائيلي، بما يضمن لنا تحقيق حلمنا في دولة مستقلة وكاملة السيادة أسوة بشعوب الارض.فكل كلام عم الوطن والوطنية في ظل تكريس الانقسام هو كذب فاضح على شعبنا التوقف أمامه بكل قوة. وإذا كانت ملفات الانقسام كبيرة ومعقدة فهذا يعني أن حلها دفعة واحدة صعب للغاية وغير ممكن ، ولكن هذا لا يعني أن ننتظر غلى أن يأتي الوحي بحل لكل مشاكلنا دفعة واحدة علينا ان نبدأ بخطوة واحدة جوهرية تفتح الطريق أمام حل المشاكل الأخرى ، وعملياً لا يوجد ما هو افضل من تشكيل حكومة توافق وطني على وجه السرعة بحيث يتم توحيد الاداة السياسية للسلطة وتفعيل القيادة المؤقتة لمنظمة التحرير بحيث نظهر أمام العالم بقيادة واحدة ومرجعية واحدة وكل المشاكل الأخرى بما فيها الانتخابات يمكن أن تنتظر وتحل بهدوء في واقع ومناخ ايجابي يسمح بالتفاهم والإتفاق.فعدونا ليس خلف الباب بل هو في داخل حجراتنا وفي فنائنا.