اثارت النتائج الغير المتوقعة للانتخابات الاسرائيلية والتي اسفرت عن تعادل معسكري اليمين الاسرائيلي المتطرف مع معسكر غير "اليمين المتطرف" والذي نفضل عدم اطلاق اسم "اليسار" عليه كما يحلو للبعض سواء العارفين اوغير العارفين بالساحة السياسية الاسرائيلية. والمثير للدهشة ان الكثير من المراقبين اعتبروا ان نتائج الانتخابات هي هزيمة لليمين الاسرائيلي وهذا يعيدنا الى الرؤية السائدة عربيا وفلسطينيا بان الاماني هي من يدفعنا لرؤية المتغير والثابت في السياسة الاسرائيلية وبالتالي يدفعنا الى مزيد من التخبط في رؤيتنا وفهمنا لطبيعة ما حدث . وبرؤية موضوعية متأنية للحدث الاسرائيلي الكبير يوم امس يبدو جليا بان ما حدث لم يكن ابتعادا للجمهور الاسرائيلي عن فكرة التطرف واليمينية بقدر ما هي اقتراب احزاب اخرى من اليمين ويمين الوسط مثل حزب "يش عتيد"اي "يوجد مستقبل" باللغة العربية والذي جند في صفوفه اكثر من نصف الاعضاء في الكنيست الجدد من اليمينيين بالمفهوم السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي. ما حدث باستثناء حزب ميرتس اليساري الصهيوني هو تصارع الاحزاب الجديدة والمنشقة غن بعضها والحديثة التكوين على اصوات الجمهور اليميني واقترابهم اكثر منه ما جعلهم في نظر الجمهور افضل من رجال اليمين المعروفين والتي تلاحقهم قضايا الفساد والجبن والتخبط والتي بدت جلية واضحة في تحالف ليبرمان - نتنياهو الخاسر الاكبر في الانتخابات. وفي نفس الوقت يجب عل الجميع تذكر الدور الاميركي في اسقاط واضعاف نتنياهو الشخص وليس "اليمين" والذي تجلت في تصريحات الرئيس الاميركي اوباما قبل الانتخابات الاسرائيلية بايام حول خطورة الرجل على مستقبل دولته وانه لا يعرف ما هي مصلحة اسرائيل والذي اعادنا تاريخيا الى الدور الاميركي في اسقاط حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي يتسحاق شامير بعد مؤتمر مدريد في بداية التسعينات واستبداله بـ"يتسحاق رابين" في انتخابات مشابهة. الجميع يتذكر الاوامر الاميركية لشامير في حينه بالبقاء بعيدا عن حرب تحرير الكويت وجر واشطن له جرا الى مؤتمر مدريد ومحاولات شامير في حينه التملص ما دفع حكومة بوش الاب الى تجميد مبالغ مالية كان الاسرائيليون ينوون استخدامها في بناء المستوطنات مع الملاحظة ان نتنياهو كان الناطق باسم الوفد الاسرائيلي في حينه من الواضح ان ادارة اوباما تدرك أن التسوية غير ممكنة من دون وقف الاستيطان وأن لا مكان لدور إسرائيلي على الصعيد الإقليمي خارج المظلة الأميركية، وهناك حكومة إسرائيلية تصر على الاستيطان وعلى التفاوض في الوقت ذاته بهدف كسب الوقت والتصرف على الصعيد الإقليمي كأنها قوة عظمى. اليمين الاسرائيلي لم يخسر في الانتخابات ولكن من خسر هم شخوص واسماء يمينية فضل الجمهور المتحول دراماتيكا الى التطرف استبدالهم وبالذات في قضايا المجتمع والاقتصاد التي لعبت دورا مهما في تلك الانتخابات. ولكن الاخطر في تصورنا هو مدى انعكاس نتائج الانتخابات فلسطينيا وسلوكيات اي حكومة قادمة تجاه القضية الفلسطينية وتمركزها الجغرافي في الضفة وغزة. ولكي لا نخوض تفصيليا في برامج الاحزاب الفائزة لا بد من الملاحظة ان القاسم المشترك لمعظمها هو يمينية البرامج والتي تجمع الليكود بيتنا وحزب لبيد وموفاز وتسيفي ليفني فيما تبدو برامج المتدينيين امثال شاس والحزب الصهيوني الاستيطاني الجديد "البيت اليهودي" موغلة في التطرف تجاه الفلسطينيين بصورة عامة. ويجب التذكر جيدا بان تسيفي ليفني وموفاز وحتى لبيد اعترضوا على نتنياهو ووزير حربه باراك لعدم قيامه باحتلال غزة في معركة "عمود السحاب" واتهموه بالجبن وتقوية حركة حماس على حساب السلطة في رام الله. الانتقال من حكومة نتنياهو السابقة "حكومة الرفض والصلف الغبي" الى حكومة "اللاموقف" بتشكيلتها المقترحة لن تضع الملف السياسي الفلسطيني في مقدمة اهتماماتها واولياتها وستبحث عن قضايا الاجماع فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي ولكنها في نفس الوقت ستؤدي دورا امنيا في غاية الخطورة فيما يتعلق بغزة ومستقبل الصراع مع القطاع المحاصر. من هنا نرى ان من واجبنا التنبيه الى خطورة المرحلة القادمة فلسطينيا وضرورة التسلح الحقيقي بالوحدة الفلسطينية والمصالحة امام اي حكومة اسرائيلية قادمة يشكلها نتنياهو او غيره في ظل المعطيات المذكورة والواضحة لكل ذي عقل وبصيرة. اللهم انا قد بلغنا اللهم فاشهد.