خبر : سيرورة الغرب الطائشة من سورية إلى مالي ...حسين حجازي

السبت 19 يناير 2013 10:19 ص / بتوقيت القدس +2GMT
سيرورة الغرب الطائشة من سورية إلى مالي ...حسين حجازي



نقل "مارس"، إله الحرب، الذي صوّرته الأساطير الوثنية القديمة، كإله يعاني من العرج، ميدان الحرب في نقلة نوعية من آسيا ـ حيث ما زالت نيران الحرب تشتعل في أفغانستان، وسورية ـ إلى الساحل الغربي لإفريقيا وعلى تخوم صحرائها الكبرى. هناك قبل أيام قرّر الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، أن يكون لفرنسا هي الأخرى ـ بعد الاتحاد السوفيتي وأميركا ـ أفغانستانها، تأكيداً على احتفاظ فرنسا بإرثها وماضيها الإمبراطوري، لمن يعتقد أن فرنسا لم تعد فرنسا القديمة نفسها، أو أنها انقطعت عن ماضيها. هيا إلى مالي. أرض الذهب والنفط والغاز المكتشف، فهل طائرات "رافال" و"ميراج" تقل سمعةً وهيبةً عن نظيرتها الأميركية؟ وإذا كانت أميركا ليست وحدها من يستطيع الإقدام على الحروب الاستباقية، فهنا لفرنسا القوة، كما الادعاء الأخلاقي، إذا تعلّق الأمر بالحرب على الإرهاب، وبتأييد جماعي قل نظيره في الفترة الأخيرة من مجلس الأمن الدولي. سارعت دول أوروبا كما لو في مزاد خجول لإعلان مد يد العون ولكن بأضعف الأثمان لشقيقتها فرنسا. لكن حلف "الناتو" ـ كما الرئيس الأميركي ـ لم يتردد في الإعلان وعلى الملأ عن إحجامه عن التدخل في هذه المغامرة الفرنسية. إن إحجام باراك أوباما الثالث من نوعه، في الأزمات الكبرى الثلاث التي استأثرت باهتمام العالم، وتدخل أطراف دولية فاعلة فيها، إنما هو الذي يسترعي الانتباه هنا، حيث فضّل الرئيس الأميركي الاكتفاء بمراقبة الوضع من الصفوف والمقاعد الخلفية، غير مستأثر بل زاهد بدور القيادة في كل من أزمة ليبيا وسورية وفي مالي على حد سواء. لقد تعلمت أميركا الدرس على جلدها، في العراق وأفغانستان، وهكذا لما يشأ أن يزج بأميركا التي تواجه انهياراً مالياً "الهاوية المالية"، في حروب أخرى. إن مكانة باراك أوباما اليوم في التاريخ، أو هذا الموقف لعله الأكثر، تماثلاً مع سياسة الإمبراطور الروماني الداهية والأريب أوغسطس، الذي أعقب في الحكم، يوليوس قيصر غداة اغتيال هذا الأخير، الذي أرهق روما بحروبه التوسعية، مفضّلاً أن يحافظ على هيبة الإمبراطورية، بإبقاء السيف الروماني في غمده. لكن هذا الاعتبار ليس سوى جانب وحيد من المسألة، إذ علينا أن نفكر اليوم، بأن شكلاً جديداً لتوازن القوى، كما توزيع الأدوار هو العامل الجوهري، الذي يفسّر هذا الإحجام، أو ما يبدو أنه انكفاء أو تخاذل أميركي في التورط بحروب أخرى، وهو التحول الذي يبدو تأثيره ماثلاً في المقاربة الأميركية لحل الأزمة السورية، بالاتفاق مع روسيا. كما في صرف النظر عن استعادة الدور الأوروبي القديم، الاستعماري على وجه الخصوص، لبريطانيا وفرنسا على حد سواء في الشرق الأوسط. والمسألة واضحة فإذا كان الاتجاه الشامل للإستراتيجية الأميركية، كما عقيدة الجيش الأميركي، التي بلورها البنتاغون، منذ العام الماضي، إنما تقتضي التوجه نحو المحيط الهادي. محاصرة الصين، وتطويعها، لحسم الصراع الجاري الآن على مستقبل آسيا. هذا هو قوام المسألة الذي يجب علينا إدراكه الآن، في التحول الراديكالي الذي يشهده العالم. حيث فرنسا وأوروبا وليس الإدارة الأميركية من ينتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية لطرح المبادرة السياسية، لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على الطاولة. وهم من قام حتى ولو بالشكل التمثيلي قبل أشهر، بالخطوة غير المسبوقة، دبلوماسياً، استدعاء السفراء الإسرائيليين. وهل لاحظتم هنا أن أوباما اكتفى بإيصال الرسالة الصفعة إلى نتنياهو كما من وراء الستارة، بطريقة التسريب الصحافي من المقاعد الخلفية. عن الأقوال الصعبة التي وجهها الرجل في ذروة حملته الانتخابية. وإذا أخذنا واقع الأزمة السورية اليوم، فإن الحضور الأوروبي عبر بريطانيا وسويسرا، وفرنسا هو الأكثر بروزاً حتى في الوقت الذي تبدو فيه هذه الأزمة، وكأنها توشك على التقاط أنفاسها الأخيرة، حين تظهر التقارير المنشورة في الصحافة الغربية، حقيقة معاكسة لمواقف وتصريحات المسؤولين الفرنسيين كما الروايات الإعلامية عن مجريات الوضع الميداني بالإشارة إلى انفصال الحكومات الغربية عن الواقع، وليس الرئيس السوري. هل قدم إذن فرانسوا أولاند هدية الديك الرومي، على طبق من فضة للرئيس السوري، في وقت غير متوقع؟ حيث يبدو تسارع وتيرة وتصعيد العمليات الحربية وكثافتها، التي يقوم بها الجيش السوري بصورة لافتة في الأيام والأسابيع الأخيرة، كما لو أنها تشير إلى نوع من السباق مع الوقت، وفق تكتيكات وقواعد الحرب. لقرب تحقيق هذا الجيش الأهداف العملاتية الحربية الرئيسة أي الحسم والانتصار في الحرب. وبهذا المعنى فإن فتح أو نقل المعركة أو الأزمة الدولية الكبرى من سورية إلى مالي، فإن هذا التحول، إنما يضع علامات سؤال كبرى عن المآل المنتظر حدوثه في الأزمة السورية. رجل واحد إذن يبدو اليوم في المشهد الدولي، الجاري أمامنا، كما لو أن أعداءه أقدموا من تلقاء أنفسهم على إنقاذه من أزمته. هذا الرجل ليس سوى بشار الأسد. إذا كان الغرب المصدوم والمرتبك والمأخوذ بتداعيات التدخل الفرنسي في مالي بعد قضية خطف الرهائن التي لا سابقة لها في حجمها، جنوب الجزائر، وبالطريقة التي انتهت إليها أشبه بالمذبحة، يكتشف، أن أصابعه التي حركت وخلقت البيئة الحاضنة للإرهاب في سورية، للقضاء على الأسد، والدولة السورية، لن تكون بعيدة أو بمنأى عن الاحتراق نتيجة هذا اللعب الطائش باستخدام الإرهاب، وحتى التحالف معه في مكان ومحاربته في مكان آخر، بحسب ما تقتضيه مصالحه، وهي مصالح غير أخلاقية بالتأكيد. هيا إذا نلاحظ هذا المشهد المفارق، الذي لا يخلو من السخرية، ليبدو في نهاية الأمر كما لو أن الأسد الذي يحارب الإرهاب في سورية هو الحليف، في إخوة السلاح والحرب، مع الغرب وفرنسا في مالي، والصحراء الإفريقية، دون أن نستطيع مقاومة أنفسنا على سبيل التفكه من هذه المفارقة بترديد المطلع الشهير في قدود المغني السوري صباح فخري الشهير مع تصرف طفيف "يا مال الشام يا لله يا مالي". فهذه لحظة لانتقال زخم اندفاع المجاهدين بعد الآن من سورية وريف حلب، إلى مالي والصحراء الإفريقية الكبرى لمواجهة الحرب الصليبية الجديدة على الإسلام، وتنفيس طنجرة الضغط السورية، وربما نقلها وإحكام سدادتها على الجزائر. وحيث لا يبدو وضعنا بسار في الحالتين، طالما أن الاستعمار القديم، الذي يعاود الإطلال برأسه، لا ينفك يواصل تفتيح الجراح في الجسد العربي والشرق، دون كابح، وعلى هذا النحو الطائش. هذه السيرورة التي يبدو أنها سوف تفكك بالأخير الغرب نفسه.