لاشك أن الانتخابات الإسرائيلية التي ستجرى بعد أربعة أيام تنطوي على أهمية بالغة، ليس بالنسبة للإسرائيليين وحسب، ولا للفلسطينيين فقط، ولكن بالنسبة لعموم المنطقة، وربما لدول العالم المقررة في الشأن الدولي، وبالتحديد للأوروبيين والأميركيين. وإذا كان الأوروبيون، الذين تراجع دورهم وتأثيرهم السياسي، على الملف الفلسطيني / الإسرائيلي، خلال السنوات الماضية، قد بدا لهم أنهم قد عوضوا عن ذلك بازدياد نفوذهم في المنطقة العربية، من خلال مشاركتهم في ملف الحراك العربي، فإنه من الواضح أنهم عادوا للاهتمام بالملف الفلسطيني، والحرص على الإبقاء على المسافة التي تفصلهم عن الموقف الأميركي بخصوص هذا الملف، وقد ظهر ذلك جلياً، في نهاية شهر تشرين ثان الماضي، حين لم يصوت أحد باستثناء دولة التشيك، ضد القرار الخاص باعتماد دولة فلسطين عضواً مراقباً في الأمم المتحدة. ثم عاد الأوروبيون هذه الأيام للحديث عن مبادرة لإطلاق المفاوضات بشكل متوازن، وحتى إن كان حديث هذة المبادرة ليس رسمياً بعد، إلا أنه من الواضح، ان لا دخان بلا نار، وأن مثل هذا الأمر ليس بعيداً عن تفكير الأوروبيين. الموقف الأميركي أهم من الموقف الأوروبي، نظراً لتأثيره البالغ على اسرائيل، حيث تناقلت وسائل الإعلام تصريحات منسوبة للرئيس الأميركي، تشير الى احتمالات ممارسة ضغط ما على الحكومة الإسرائيلية القادمة، مما أثار حفيظة قادة الليكود، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يدرك تماماً، بأن سياسة البيت الأبيض خلال الولاية الثانية لباراك أوباما ستكون مختلفة، لعدة اعتبارات عن ولايته السابقة. ورغم أن بعض أوساط الليكود تحاول أن تخفف من وقع "خلاف محتمل" بين تل أبيب وواشنطن، من خلال الإشارة الى أن تلك التصريحات ما هي إلا رد من أوباما على تدخل نتنياهو في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وانها لن تتعدى محاولة التأثير على الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة، ومن المرجح أن تشكل تلك التصريحات ملامح السياسة الخارجية الأميركية في المرحلة القادمة. لاشك ان الأميركيين الذين ما زالوا يقودون عملية تغيير في المنطقة، لا يمكنهم تجاهل أن تشمل إعادة ترتيب المنطقة، وحتى تستقر، الملف الفلسطيني / الإسرائيلي، وأنهم لن يواصلوا سياسة ترك هذا الملف بالكامل للحكومة الإسرائيلية، وإذا كان اليمين الإسرائيلي، غير قادر على رؤية الأمور بمنظار استراتيجي، بعدم إدراكه أبعاد التغيير الجاري الآن، وضرورة ان يتخذ قراراً حاسماً بحل مركز التوتر، فإن من شأن ذلك أن يدفع الأميركيين للتدخل. صحيح أن المؤشرات تؤكد فوز اليمين بالانتخابات الإسرائيلية، ولكن المعادلة الداخلية ستتغير، ومركز الحكومة القادمة (تحالف نتنياهو / ليبرمان) سيتراجع في قوته، رغم ان التحالف بينهما سعى لعكس ذلك، وصحيح أن اليمين سيفوز، لكن قوة الأحزاب الدينية تتراجع، وقوى يمينة جديدة، تظهر بقوة _ مثال ذلك البيت اليهودي _ أي ان نتنياهو سيخضع لحسابات داخلية ودولية جديدة، خلال حكمه القادم. من الواضح، ان انشغال الدول العربية بأوضاعها الداخلية، يقلل من قدرتها على إسناد الملف الفلسطيني، وهذا ما يغري نتنياهو على الاستمرار في التنكر لاستحقاقات الملف الفلسطيني، لكن الأمور لم تستقر بعد، والواقع الفلسطيني، رغم حالة الانقسام، قابل للانفجار في أية لحظة، وما لم يحققه نتنياهو خلال حكومته السابقة، وحالة الانقسام الفلسطيني حادة، لن يحققه خلال ولايته القادمة، لذا ما لم تقرأ حكومته القادمة الأفق البعيد، وما لم تر أبعد من قدميها، فإن احتمالات مدوية من شأنها أن تنشأ، بما يقلب الأمور رأساً على عقب، ولعل هذا ما يحاول الرئيس الأميركي أن ينصح به الإسرائيليين، ويبدو أن نتنياهو ما زال غير قابل "للتغيير"، ربما في آخر محطاته السياسية، لذا فإن إسرائيل بأسرها قد تتعرض للعزلة الدولية، هذه المرة وليس وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان، كما كان حالها في السنوات الأربع الماضية، وإذا كان الفلسطينيون قد تجاوزوا المحطات الأصعب _ الانقسام، والتجويع _ وصمدوا في الحرب وفي السياسة، فإن فصولاً من المواجهة ستلحق الضرر البالغ بإسرائيل، التي باتت أمام خيارين: إما حل السلطة، وإما التوصل إلى حل سياسي معها، قبل أن تتم حالة من "التدويل القانوني والإنساني" للقضية الفلسطينية، تضع إسرائيل بأسرها، إن ترافق ذلك مع ربيع شعبي فلسطيني، في أتون نار حارقة. Rajab22@hotmail.com