خبر : ثمة فرق بين المصالحة والمحاصصة ..طلال عوكل

الخميس 17 يناير 2013 12:57 م / بتوقيت القدس +2GMT
ثمة فرق بين المصالحة والمحاصصة ..طلال عوكل



المعلومات القليلة التي وصلت عبر وسائل الإعلام عن حوار القاهرة بين حركتي "فتح" و"حماس" برئاسة كل من الرئيس محمود عباس وخالد مشعل، هذه المعلومات لا تبشّر بأن ثمة مصالحةً حقيقيةً قادمةً على الطريق، حتى لو تدخلت لتحقيقها كل الأمة العربية، وأن المصالحة الحقيقية مسألة متروكة للزمن. ما نقصده بالمصالحة الحقيقية هو أن يجري حوار وطني جدي جامع يُراجع التجربة الماضية بكل ما لها وما عليها؛ لاشتقاق إستراتيجية وطنية وبلورة برنامج سياسي يلخّص القواسم المشتركة ويلتزم بالحقوق والثوابت الوطنية التي قررتها الشرعية الدولية، وإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية كافة وعلى رأسها منظمة التحرير على أسس وطنية وبما يشمل كافة ألوان الطيف السياسي. مثل هذه المصالحة يعني إعادة التركيز والتأكيد على طبيعة المرحلة بما أنها مرحلة تحرر وطني أساساً، الأمر الذي يحدد طبيعة برامج ومهام وآليات عمل المؤسسات الوطنية، التي ينبغي أن يُعاد بناؤها وفق معايير الكفاءة والوطنية وعلى أساس من الشراكة الكاملة والتعددية دون إهمال عناصر الصمود التي تستوجب احترام حقوق وحريات المواطنين. إذا كان هذا هو معيار المصالحة الحقيقية، فإن الحوارات الجارية في أكثر من مكان، إنما تعكس غياب الإرادة السياسية، وطغيان منطق المحاصصة والحسابات الفصائلية، بما يؤدي إلى التسليم بالأمر الواقع والتعايش معه مع تحسينات في تعامل القوى مع بعضها البعض، وانفراجات هنا وهناك. إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا نحتاج إلى وساطات وتدخلات سواء من الشقيقة مصر أو من أي طرف آخر، ولماذا نحتاج إلى استمرار الحوارات الثنائية فقط، ولماذا نحتاج إلى جلسات أخرى والمزيد من المواعيد الجديدة، وكل ذلك في إطار من الكتمان والسرية. الأكيد والثابت أن وفود الفصائل والشخصيات المستقلة مستعدة، دائماً لتلبية أي دعوة من قبل أي طرف، دولة أكانت أم حزباً سياسياً أم حتى منظمة مجتمع مدني، تبادر لاستضافة حوارات عقيمة يطغى عليها البعد السياحي أكثر من أي شيء آخر. فلقد بذلت بعض المؤسسات الوطنية الفلسطينية جهوداً مضنية في الحوار والبحث الموضوعي، لإنتاج أوراق عمل مدروسة وجدية تصلح لمعالجة كافة الشؤون والملفات المتعلقة بالمصالحة، غير أن هذه الأوراق، تظل ملكاً لمن أنتجوها، فالمعنيون بالأمر لا يسمعون إلاّ لهواتفهم الداخلية ولا يلتزمون إلاّ بحساباتهم الخاصة. في الواقع ثمة إصرار على وجود تباين جذري في البرامج والخيارات، وثمة إصرار من كل طرف على خياراته وبرامجه، رغم أن التجربة القريبة الماضية أكدت أن لا مقاومة مجدية دون سياسة ولا سياسة مثمرة دون مقاومة، وأنها أي التجربة الإنسانية أكدت أن ثمة دائماً إمكانية بل ضرورة لصياغة برامج تقوم على القواسم المشتركة، مع احتفاظ كل طرف بحقه في متابعة النضال من أجل تحقيق برنامجه. هكذا انتصر الفيتناميون، والصينيون والجزائريون والجنوب إفريقيين.. وهكذا يمكن أن نحقق الانتصار. عند النظر للاتفاقيات التي تم التوقيع عليها من قبل كافة الفصائل الفلسطينية بشأن المصالحة، سنقف على حقيقة أن الانقسام كان بمقدمات إسرائيلية وبقرار وأيد فلسطينية، لكن إنهاء الانقسام لم يعد بقرار فلسطيني إذ إن إسرائيل صاحبة المصلحة في بقاء الانقسام تتحكّم في عدد من الملفات الأساسية. ومن الواضح أن مصالحة يسود الشك وأزمة الثقة بين أطرافها، وخوف كل طرف من الآخر، مثل هذه المصالحة لا تنتج إلى محاصصة، وتمسك كل بما يملك لنفسه من ضمانات خلقتها وعززتها مرحلة الانقسام. نعلم ويعلم الجميع أن الانتخابات على مستوى المجلس الوطني، وعلى مستوى المجلس التشريعي والرئاسة، هي التي تشكّل المدخل الصحيح والمناسب لمعالجة آثار الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ومبادئ أكثر رسوخاً، ولكن السؤال هو من يملك القرار بشأن إجراء هذه الانتخابات. وهذا على افتراض أن الكل مقتنع بالعودة إلى صناديق الاقتراع. وإحالة الأمر للشعب؟ أسئلة كثيرة يطرحها ملف الانتخابات من حيث المبدأ، وأهمها هل ظروف التجمعات الفلسطينية في الأردن وسورية ولبنان تسمح بإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني. إذا كان الجواب يوفر الذريعة للتهرب من هذا الاستحقاق، فهل يكون البديل، تعيين مجلس وطني جديد محكوم لمنطق المحاصصة، وعلى أي أساس يمكن أن تتم مثل هذه المحاصصة؟ هل يستمر الحوار بين حركتي فتح وحماس، ويجري تجاهل الفصائل الأخرى التي ليس لها إلاّ أن تبصم على ما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين كما حصل بشأن اتفاقيات المصالحة السابقة التي تم التوقيع عليها من قبل الجميع، في مناخ احتفالي لم يكن للفصائل الأخرى دور فيه إلاّ الحضور الصامت؟ في زمن مضى جرت محاولات لإدماج حركة حماس في منظمة التحرير، فاشترطت حينذاك أن تحصل على 40% من عضوية المجلس الوطني، فما الذي ستشترطه الآن بعد أن تضاعف وزنها في الحياة السياسية، وتضاعف تأثيرها؟ ثم ماذا عن الانتخابات في الأراضي المحتلة، الرئاسية والتشريعية، هل يمكن للفلسطينيين أن ينجحوا في فرض هذا الأمر على إسرائيل؟ وحتى لو كان ذلك ممكناً فهل يمكن إجراء الانتخابات بضمان نزاهتها وموضوعيتها في ضوء استمرار الأجهزة المدنية والأمنية الفلسطينية، على ما هو عليه الحال؟ في الواقع ثمة ضرورة لإجراء تغييرات جذرية في واقع الحال القائم على السيطرة الأحادية لحماس في غزة، وفتح في الضفة، قبل أن نتحدث عن انتخابات حقيقية تشكل مدخلاً حقيقياً لإعادة توحيد مؤسسات القرار الفلسطيني، والمؤسسات التشريعية والتنفيذية، فهل يمكن لحوار المحاصصة أن ينتج معادلة، تصلح للبناء عليها، والاتفاق على آليات تؤدي بالتدريج ولو بعد حين، إلى إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني؟ إن المداخل الخاطئة لمعالجة أزمة خطيرة من النوع الذي تعاني منه الساحة الفلسطينية بسبب الانقسام من شأنها أن تقدم مخرجات خاطئة لا تذهب إلى معالجة عمق الأزمة بل إلى تجميلها.