تنبأ بعض المحللين وربما العارفين بخفايا العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما أن الأخير لن ينسى للأول وقوفه ضده بصورة علنية ودعم خصمه المرشح الجمهوري للرئاسة رومني على اعتبار أنه جيد لإسرائيل أكثر من أوباما وفقاً لوجهة النظر اليمينية المتطرفة . وأن الحساب لابد وأن يأتي خاصة بعد فوز أوباما بولاية جديدة وعدم حاجته لدعم الناخبين اليهود. وقسم من هؤلاء توقعوا أن يكون انتقام أوباما عبر الإتحاد الأوروبي الذي يتخذ موقفاً أكثر حزماً ومعارضة للسياسة الإسرائيلية على الأقل في الإطار النظري. و السؤال المطروح الآن هل الحديث عن مبادرة أوروبية جديدة لا تروق لإسرائيل يأتي في هذا السياق أم أنه تطور طبيعي في سياق المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة؟. من الصعب التفكير بأن سياسة الولايات المتحدة تخضع لاعتبارات الانتقام حتى لو كان المقصود بذلك شخص عنجهي وصلف مثل نتنياهو يشعر أنه سيد العالم وأن الولايات المتحدة الأميركية تعمل لدى إسرائيل وتأتمر بأمرها تذهب لمحاربة إيران عندما يقرر ، وتتجاهل الإحراج الذي يسببه للسياسة الأميركية بشكل متكرر ومقصود. بل أن ما يحكم سلوك الدولة العظمي هو اعتبارات المصالح الأميركية فقط وليس المناكفة مع نتنياهو وقرص أذنه فقط. وحتى اللحظة لا تبدو صورة التفكير الأميركي بشأن حل الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي، وهل هو مسألة ملحة ينبغي حلها أم أن الوضع الحالي الذي يدار فيه الصراع في إطار الحفاظ على نار هادئة ربما يكون الأنسب بانتظار أن تنضج رغبة لدى الأطراف المعنية بالتوصل إلى تسوية أو شكل من أشكال الحلول الانتقالية.وقد تكون واشنطن غير راغبة أصلاً في بذل جهد من أجل أي شيء خارج إطار الاهتمام بدول "الربيع العربي" التي تشهد تغيرات كبرى وحالة من عدم الاستقرار، لكن الشيء المؤكد هو أن الإدارة الأميركية عندما ترغب في حصول شيء تبذل كل جهدها وتمارس كل الضغوط الممكنة في سبيل ذلك، ومن واقع التجربة رأينا كيف ضغطت إدارة جورج بوش الأب على رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت اسحق شامير وأجبرته على المشاركة في مؤتمر مدريد مقابل وفد فلسطيني- أردني يضم شخصيات تمثل منظمة التحرير الفلسطينية. وهنا قد لا ترغب الإدارة الحالية، على الرغم من القوة التي يتمتع بها الرئيس في ولايته الثانية، في التدخل بعد محاولات فاشلة عديدة لم تفلح فيها في دفع الطرفين على الاتفاق خاصة وأن نتنياهو مصر على مواصلة الاستيطان ولا يقدم أي فكرة أو خطة للتفاهم مع الجانب الفلسطيني، وأيضاً لم ينجح أوباما في ثني الرئيس أبو مازن عن التوجه إلى الأمم المتحدة ولم يقنعه بالتفاوض مع نتنياهو بدون شروط على طريقة الأخير. ويمكن للسلبية الأميركية إذا ما أصبحت حقيقة واقعة أن تفسح المجال أمام أوروبا لتمارس الدور الذي طالما أحجمت عنه لصالح الولايات المتحدة الأميركية التي احتكرت الملف السياسي شرق الأوسطي وكان دورها يتلخص في تقديم التمويل والدعم المادي لدول المنطقة المنغمسة في عمليات سياسية مدعومة من واشنطن. الآن يتم تسريب مضمون خطة سياسية يقال أن الاتحاد الأوروبي يعكف على إعدادها والتي - حسب التسريبات الإسرائيلية- تتضمن إحياء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس القبول بحل الدولتين على حدود حزيران من العام 1967 مع تبادل أراضٍ متفق عليه، وتجميد الاستيطان على أن تنتهي المفاوضات وتتحقق التسوية في غضون هذا العام. وبطبيعة الحال هذه الأسس والقواعد ترفضها إسرائيل تماماً. و لا يبدو أن تغيراً جوهرياً سيحصل على الموقف الإسرائيلي بعد الانتخابات، حيث تظهر استطلاعات الرأي التي تجرى في إسرائيل قبيل الانتخابات، التي ستتم في الثاني والعشرين من هذا الشهر، أن اليمين الإسرائيلي سيحافظ على الأغلبية في البرلمان. وبالتالي سيكون من غير الطبيعي أن تقبل حكومة نتنياهو المتوقعة أن تدخل طوعاً في هكذا عملية تفاوضية، إلا إذا تعرضت لضغط شديد من قبل الولايات المتحدة. فنحن لم نعتد من أوروبا أن تتدخل إلى هذا المستوى مع أنه من المنطقي أن تكون إمكانية الضغوط الأوروبية ليست أقل من الضغوط الأميركية بسبب كون أوروبا الشريك الأكبر لإسرائيل من الناحية التجارية وهي تمنح البضائع الإسرائيلية إعفاءات جمركية وتعاملها كبضائع الاتحاد الأوروبي على أكثر من مستوى. ولا شك لو قام الإتحاد الأوروبي بالتهديد بممارسة ضغوط فهذا سيشكل تحولاً كبيراً في دور أوروبا. ومن المهم التأكيد هنا على أن المبادرة الأوروبية التي يجري الحديث بشأنها هي من إعداد فرنسا وبريطانيا ومدعومة من ألمانيا ومن رئاسة الاتحاد، بمعنى أنها ستكون مقترحة من أهم دول القارة الأوروبية. أي أنها على درجة كبيرة من الأهمية والقوة فيما لو أخذت ضوءاً أخضر من الولايات المتحدة الأميركية. كل العملية السياسية المجمدة فعلياً منذ أكثر من ثلاث سنوات تنتظر الإنتخابات الإسرائيلية التي قد تحدث تغييرات تذكر في الخارطة الحزبية في إسرائيل، ولكن مع هذا لو أراد نتنياهو أن يغير سياسته سواء تحت الضغوط أو بدونها، يمكنه ذلك من خلال تشكيل ائتلاف حكومي غير يميني بالمطلق ان يذهب نحو عملية سياسية مغايرة بالاعتماد على "العمل" وحركة تسيبي ليفني وحزب يائير لبيد ويمكن ضم "شاس " والحصول على دعم "ميرتس" وغطاء حتى من الأحزاب العربية.ولكن كل هذا منوط بشعور نتنياهو بوجود قوى دولية ضاغطة يمكن أن تذهب بعيداً في ضغطها لو استدعى الأمر.