بعد فشل إدارة أوباما في الولاية الأولى في تحقيق أي تقدم على صعيد العملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، صدر بعض المؤشرات التي من شأنها أن تتخلى هذه الإدارة في ولايتها الثانية عن هذا الملف، أو على الأقل، اللا يظل على رأس جدول أعمال سياستها الخارجية، وبدلاً عن ذلك، فإنها ستشجع الاتحاد الأوروبي على القيام بهذا الدور ولعل في الحديث المتكرر مؤخراً من أن الاتحاد الأوروبي يدرس خطة عملية لفرضها على الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي لاستئناف العملية التفاوضية، غير أن ترشيح السيناتور الديمقراطي جون كيري لوزارة خارجية الولاية الثانية لأوباما، من شأنه أن يعيد النظر بما قيل عن سياسة أميركية جديدة يتم بموجبها التراجع عن الانغماس في الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ذلك أن هذا الترشيح يعني ببساطة شديدة، أن واشنطن مهتمة كما كان الأمر دائماً، بأن تولي هذا الملف كل اهتمامها ورعايتها، رغم فشلها أثناء الولاية الأولى لأوباما، إذ إن كيري هو أحد أهم المختصين بالسياسة الأميركية حول الشرق الأوسط، والأكثر إلماماً بتعقيدات هذا الملف، كما أنه منغمس تماماً في كافة القضايا المتعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخاصة على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ما يشير إلى أن اختياره لم يأت صدفة أو محاباة، بقدر أن لهذا الاختيار علاقة وطيدة بتوجهات إدارة أوباما الثانية حول الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وربما لتصحيح تلك السياسة التي أدت في عهد وزيرة الخارجية الأميركية المستقيلة كلينتون والتي أدت إلى فشل هذه السياسة في تحقيق أي إنجاز على هذا الملف. وعلى هذا الأساس، يمكن فهم التحرك الأوروبي باعتباره يقوم بدوره في الوقت الانتقالي للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، ذلك ان انتقال مهام وزارة الخارجية من الولاية الأولى إلى الولاية الثانية، بين كلينتون وكيري يحتاج إلى بعض الوقت حتى يتم رسم سياسة جديدة مرفقاً لهذه المتغيرات التي من شأنها أن تأخذ بالاعتبار التحولات في الشرق الأوسط وعلى الأخص نتائج ما أفرزه "الربيع العربي"، إضافة إلى نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية أواخر الشهر الجاري. وقد يعترض البعض على عبارة "سياسة جديدة للولايات المتحدة" على أساس أن هذه السياسة ثابتة فيما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي لجهة الدعم المطلق للاحتلال الإسرائيلي، غير أن القصد من عبارة "سياسة جديدة" تتعلق بالدروس المستقاة من قبل إدارة أوباما في التعامل مع الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي الذي أثبت فشله أثناء ولاية أوباما الأولى، جراء فشل هذه الإدارة في الضغط على حكومة نتنياهو بشأن العملية الاستيطانية، الأمر الذي أدى إلى فشل كل الجهود الأميركية لاستئناف العملية التفاوضية. لم تعترض إسرائيل على ترشيح كيري لوزارة الخارجية، رغم أنها لم تكن تفضل هذا الترشيح، ولن يجد كيري صعوبة في تمرير الترشح في الكونغرس، إلاّ أن الأمر على خلاف ذلك، فيما يتعلق بترشيح أوباما لتشاك هاغل وزيراً للدفاع، الذي لا يؤيد أية عملية ضد إيران على خلفية برنامجها النووي، وموقفه المعادي للسياسة الإسرائيلية، إذ إن مواقفه داخل الكونغرس قبل أن يتقاعد، كانت انتقادية لإسرائيل، وأطلق على مؤيدي إسرائيل من خارج اللوبي الصهيوني، اللوبي اليهودي بدلاً من اللوبي الإسرائيلي، واعتبر ذلك معاداة للسامية من جانب هؤلاء واللوبي الصهيوني وإسرائيل. على أن اختيار أوباما لهاغل لشغل موقع وزير الدفاع، ليس بالضرورة موجهاً إلى إسرائيل كما تشير بعض التحليلات، بل إن الأمر يعود إلى سياسة تصحيحية اعتمدها أوباما في إدارته الثانية، تدور في جوهرها حول السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، وليست مجرد تحد لإسرائيل واللوبي الصهيوني، ذلك أن بعض المحللين الأميركيين أشاروا تعليقاً على هذا الترشيح، إلى أن إدارة أوباما الثانية أرادت توجيه رسالة مقتضاها أن الترشيحات للمناصب الرئاسية الأولى، يجب ألا تخضع، منذ الآن، للحسابات الإسرائيلية واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وأن ترشيح هاغل هذه المرة، هو عنوان مرحلة جديدة من "استقلال" الإدارة الأميركية في الترشيحات المناسبة لخدمة المصالح الأميركية المطلقة، وان التصويت في الكونغرس حول هذا الترشيح سيكشف من جديد، من هم مزدوجو الولاء. سيقود وزير الدفاع الأميركي الجديد، تشاك هاغل، سياسة دفاعية تلتزم بقرار الرئيس أوباما بتخفيض ميزانية الدفاع بـ 500 مليار دولار خلال عشرة أعوام، وتحويل الجيش الأميركي من الحرب التقليدية إلى الحروب المرنة والسريعة، وهاغل يدعو إلى تخفيض الترسانة النووية الأميركية بنسبة تفوق 80 في المئة، الأمر الذي يوفر للخزينة مئة مليار دولار خلال عشر سنوات، سياسة هاغل الدفاعية من شأنها أن تواجه مصالح لوبي الصناعات العسكرية الأميركية، الذي يعتمد اعتماداً رئيسياً على السياسة الحربية العسكرية الأميركية التي تستخدم كاستثمار دائم لمصالح هذا اللوبي المولع بالحروب التي من شأنها أن تفقر الخزينة الأميركية لكنها تملأ جيوبهم وعدم الترحيب بهاغل ليس مرده سياساته المعادية لإسرائيل، إذ إنه صرح خلاف ذلك مؤخراً، لكن سياساته المتعلقة بإعادة هيكلة الجيش الأميركي، والداعية إلى عدم الإقدام على توسيع نطاق التدخل العسكري الأميركي من شأنها أن تؤثر تأثيراً مباشراً على الطغمة الصناعية العسكرية في الولايات المتحدة، وهذا هو السبب الجوهري غير المعلن لعدم الترحيب بوصول هاغل إلى وزارة الدفاع. خلال جولة له في الشرق الأوسط العام 1998، صرح هاغل "الرجال اليائسون يفعلون أموراً يائسة حين يؤخذ الأمل بعيداً عنهم.. فأين هم الفلسطينيون اليوم" وقد فسر هذا التصريح أنه يبرر عمليات الفلسطينيين ضد إسرائيل! Hanihabib272@hotmail.com www.hanihabib.net